الدعم الاجتماعي.. مليارات تصرف وأسئلة معلقة حول النجاعة والعدالة
الدعم الاجتماعي.. مليارات تصرف وأسئلة معلقة حول النجاعة والعدالة
الاثنين 2 فبراير 2026
رغم الغلاف المالي الضخم الذي رصد لورش الدعم الاجتماعي المباشر، كشفت معطيات التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات أن هذا البرنامج، وإن وسع قاعدة المستفيدين، ما يزال يطرح إشكالات مرتبطة بالتمركز الجهوي، وفعالية الاستهداف، ومدى قدرته على إحداث أثر اجتماعي مستدام.
وبلغت النفقات المخصصة للدعم الاجتماعي المباشر 24,887 مليار درهم خلال سنة 2024، فيما تم صرف 12,784 مليار درهم إضافية إلى حدود 30 يونيو 2025، ما يجعل من هذا الورش أحد أكثر البرامج الاجتماعية كلفة في المالية العمومية.
تركيز مالي يثير الشكوك
أولى ملاحظات التقرير تتعلق بتوزيع الدعم حسب الجهات، حيث استحوذت ست جهات فقط على 78 في المائة من إجمالي النفقات برسم سنة 2025.
وتصدرت جهة مراكش–آسفي قائمة المستفيدين، تلتها فاس–مكناس ثم الدار البيضاء–سطات.
ورغم أن هذا التمركز قد يبرر بالكثافة السكانية ومستويات الفقر، إلا أنه يطرح تساؤلات حول مدى احترام مبدأ العدالة المجالية، خاصة بالنسبة للجهات التي تسجل نسب استفادة ضعيفة، مثل الداخلة–وادي الذهب والدار البيضاء–سطات، رغم الثقل الاقتصادي للأخيرة واتساع هوامش الهشاشة داخلها.
دعم بلا أثر كبير
وبلغ متوسط الدعم الاجتماعي المباشر لكل أسرة 5748 درهما سنة 2024، مع تفاوت محدود بين الجهات. غير أن هذا المتوسط يظل، وفق متتبعين، غير كاف لمواجهة الارتفاع المتواصل في كلفة المعيشة.
وبالرغم من أن هذا الدعم، في صيغته الحالية، يسهم في التخفيف الظرفي من الهشاشة، إلا أنه يبقى بدون أن يواكبه إدماج اقتصادي أو اجتماعي فعلي، ما يجعله أقرب إلى آلية إسعافية منه إلى سياسة عمومية ذات أثر بنيوي.
تشتت الأثر
ويشير التقرير إلى تعدد مكونات الدعم الاجتماعي المباشر، من إعانات جزافية، ومنح للأسر، ومنحة ولادة، ومنحة الدخول المدرسي، إلا أن غياب تقييم مفصل لأثر كل مكون على حدة يحد من القدرة على قياس النجاعة، ويبقي السؤال مفتوحا حول أي آلية تحقق أفضل مردودية اجتماعية مقابل الكلفة المالية.
كما أن صرف مبالغ متفرقة على مدار السنة، دون ربطها بمسارات إدماج واضحة، قد يكرس منطق الاستفادة الدائمة بدل الانتقال نحو التمكين الاقتصادي.
القوة والضعف
ويعتمد ورش الدعم الاجتماعي المباشر على السجل الاجتماعي الموحد، باعتباره أداة لتحديد الأسر المستحقة، غير أن التقرير، وإن لم يسجل اختلالات صريحة، يلمح إلى ضرورة تعزيز دقة الاستهداف وتحيين المعطيات الاجتماعية بشكل منتظم، تفاديا لإقصاء أسر مستحقة أو استمرار استفادة حالات لم تعد تنطبق عليها شروط الدعم.
وفي ظل الارتفاع المتواصل للغلاف المالي، يصبح أي خلل في الاستهداف مكلفا للمالية العمومية.
كما أن استمرار صرف المليارات دون تقييم دقيق للأثر قد يحول هذا الورش من أداة حماية اجتماعية إلى عبء مالي طويل الأمد، خاصة في سياق اقتصادي يتسم بندرة الموارد وارتفاع الحاجيات الاجتماعية.
وأصدر المجلس الأعلى للحسابات توصيات جديدة موجهة إلى رئاسة الحكومة، ضمن متابعة تقييم منظومة الحماية الاجتماعية في المغرب، مؤكداً على الحاجة الملحة لتصحيح اختلالات عدة في إدارة هذه الورش الاجتماعي الضخم.
وأشار المجلس إلى ضرورة مواصلة تفعيل المؤسسات المتدخلة في تدبير الحماية الاجتماعية، وخاصة الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي والهيئة العليا للصحة، باعتبارها الركائز الأساسية لضمان استمرارية البرامج وتوحيد آليات التدخل.
وحذر التقرير من أن عدم تحيين نظام الاستهداف وتقييم آلياته بانتظام يضعف فعالية الدعم، داعياً الحكومة للعمل تحت إشراف لجنة قيادة إصلاح الحماية الاجتماعية، لتطبيق مقتضيات المرسوم رقم 2.21.582 والقانون رقم 72.18 الخاص بتحديد المستفيدين وإحداث الوكالة الوطنية للسجلات.
وأكد المجلس على أهمية إجراء دراسات تقييمية دورية لكل مكونات الحماية الاجتماعية، خاصة تلك الممولة من الميزانية العامة للدولة، للتأكد من نجاعتها وعدم تبديد الموارد المالية على برامج غير فعالة.
تمويل مستدام وضبط النفقات
وحذر المجلس من أن استمرار صرف الموارد دون تنويع مصادر التمويل وضبط النفقات قد يؤدي إلى اختلال مالي في برامج الدعم، لا سيما في الدعم الاجتماعي المباشر ونظام "AMO تضامن"، داعيا الحكومة إلى وضع خطط تمويل مستدامة ومتكاملة تضمن استمرارية هذه البرامج على المدى الطويل.
كما شدد على ضرورة تنسيق سياسات الحماية الاجتماعية مع السياسات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى، لتفادي التشتت وتحقيق أثر فعلي على الأسر المستهدفة.