(...) لماذا أنت منطوية على نفسك و تنفرين من نعم الحياة ؟ لماذا تضنين على نفسك و أنت في ريعان شبابك ؟ بربك ماذا تخبئين من أسرار ؟ أ أنت سعيدة أم شقية ؟
من خلال هذه الأسئلة راجعت (...)أبشع ذكرياتها و أقبح ماض عاشته في حياتها و ما زالت تعيشه، ماض ذاقت فيه منذ صغرها مرارة العذاب و الشقاء ، مرارة الحرمان من حنان الأمومة وعطف الأبوة...
خرجت إلى الوجود لتعيش بين أحضان العذاب واليتم لأنها فقدت كل عزيز عليها واحدا تلو الآخر، فواصلت المسكينة حياتها هنا وهناك إلى أن استقرت أخيرا في كنف عمتها التي فطنت إلى ذكائها فبعثت بها إلى المدرسة .
وتوالت الأيام بعد ذلك رتيبة هادئة، تراها في طريقها إلى المدرسة فريدة ، محفظتها بين ذراعيها مضمومة إلى صدرها ، عيناها تحدقان في اللاشيء ،تطفو الطهارة والبراءة في كل حركة من حركاتها ،تخطو في تؤدة ..يعلو محياها بياض ناصع و كأنه الماء الجاري ترى على صفحته صورة وجهك لنقائه و صفائه ..
فتاة في ريعان عمرها تتابع دراستها بجد ومثابرة لا يشغلها عنها شاغل تكد ليل نهار في سبيل الحصول على أرقى المراتب حتى تستطيع مسايرة حياتها في سعادة واطمئنان ، لكن القدر يخبئ لها ما تبغضه و مايزيدها حزنا على حزن ،فلما كان المرء يتطلع ــ كما يقال ــ إلى المستقبل بعين الفرح والسرور والتفاؤل ،كانت هي تستعد لاستقبال المتاعب والخطب و المصائب و كأنها خلقت للعذاب لا غير .
و جاء اليوم المشؤوم، اليوم الذي تلقت فيه الخبر المؤلم، خبر نعي عمتها و رحيلها إلى الرفيق الأعلى، فانقلب هذا اليوم في عينيها إلى يوم شبيه بجهنم ، و بإيمان ثابت استسلمت لربها خاضعة متذرعة مناجية خالقها:
" رحمة بي يا رب وبمن شابهني ..عفوك ربي فما ارتكبت جرائم و لا اقترفت آثاما ..ربي أنت كل شيء في حياتي ..أنت منجدي من مآزقي.. أنت نور وضياء ينير حلكة طريقي......."
و بعد مناجاة و تخيلات و تأويلات أفكار ، استرخت على سريرها و هي لا تعي مايحيط بها ، همت بأن تقول شيئا لكن الدموع غلبتها ، و ألفت نفسها مرة أخرى تعيش مع ذكرياتها بشقائها و مرارتها ، فلو أنه أتيح لها أن تحصي لحظات السعادة التي استطاعت أن تختلسها من العمر و تسرقها من الزمان لما تعدت أياما معدودة قبل موت عمتها ،ثم عادت لتنظر بعين الاعتبار متطلعة بعنق متطاول إلى المستقبل المجهول و ما يحمله بين طياته .
فهل من كفيل بعد رحيل العمة يتعهد هذه الفتاة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
يتبع.....