الاخ حدريوي ، لقد كتبت تعليقي على القصة ، لكن مع الاسف ضاع..الجهاز يقول اني لم أتسجل مع اني تسجلت قبل الدخول .لكن لا بأس ، سأعيد العمل وأجري على الله .
قصتك يا أستاذي جميلة ..جيدة ..اسلوبا ومتنا..لعلها أجمل ما قرأت لك..لعلها..لقد عمدت الى نقل النص كاملا ، ستجد التصحيح طيه بلون مغاير.أرجو ان اكون موفقا ..كما أرجو ان تتقبله بصدر رحب ، وطبعا لك الحق في الرد المناسب.
العشاء الأخير
داخل السياج.
طفل في عمر الزهور، يقلب أرضا بمحراث عتيق يجره حمار مسن، وبقرة عجفاء .وفي الأفق جرا فات تجرف نخلا وزيتونا و صبارا به بقايا ثمار، يحرسها جنود..... تحرسهم دبابات جاثمة فوق الروابي المطوقة للقرية الصغيرة.
الحقل ضيق كشريان ضاق بالكوليسترول الضار ولكنه، طويل... طول شارع غولدن غايت. ما أن يصل الصغير منتهاه حتى تكون البقرة والحمار بلغ منهما الجهد ما بلغ، فيضحيان يزفران كقاطرة فحم...يتألم الصغير لحالهما ، وخصوصا حين يستعيد صوت مدرسه الجهوري وهو يوصيهم بالرحمة بالحيوان نقول أوصى بكذا ... والطير، فيحثهما على الدوران بكل رفق ويدعهما يستريحان.
منتهى الشريط،، تحفه خمس زيتونات ريا، معلق على واسطتهن جراب، يبدو متدليا-لان الياء تثبت في حالة النصب .نقول سلمت على قاض، ورأيت قاضيا- كعرجون قديم، يفتحه، يخرج كتبا ينتقي منها مقرر البيولوجيا... ويجعل يذرع السطور في نهم وهو يذرع بتواز عرض الحقل جيئة وذهابا، والزيتونات حانيات عليه بوار فها.
كم يحب ذي البيولوجيا! وكم يعشقها! يتمنى أن يصبح طبيب أعصاب نفساني .
البدن لشبل،-هذه الجملة غير مفهومة- والروح بحر من الطموح...!
كم هو في شوق جارف ليلبس تلك الوزرة البيضاء ويشرع يعالج، يواسي....
لقد أخذ على نفسه أن يكون أول مرضاه أمه التي جنت بفقدانها لولديها احمد ومحمد، وزوجة أخيه الواجمة الخرساء منذ أن نعوا لها محمدا...وأبوه الممسوس برعشات بيير كنسون
وراء السياج،
طفلة في عمر الزهور...بل ظل طفلة يرسمه قد نحيل، تكسوه حلة بألوان الطيف تنحسر فوق الكعبين، ،وعينان جميلتان براءة الطفولة تجللهما بسحر غريب ، والفم، فمها... شريط أفقي يأسر بسمة مغتصبة، والصدر ضاو...يرقد فوقه فرخا يمام..ترعى قطيعا بئيسا من ضلوع بارزة وضروع جافة: ثلاثة أعنز ونعجتان.
تدفع الموكب برفق رباني ليبحث بين التربة المجرودة عن بقايا نجم عافته من قبل أو زنابق ما زالت يانعة بعدما ألقت حمولتها السحرية الواهبة للحياة في ظلمات التربة.
اقتربت من السياج ،نشبت أصابعها الصغيرة بين أسلاكه كحسون، وشرعت ترنو صوب الزيتونات، تبحث بين الظلال المسلوب هدوءها عن بعد... لحظات ويظهر لها وهو يذرع الشريط الضيق فتتسع حدقتها فرْحة ويضخ القلب ـ قلبها الوامق ـ في الجسد دما ساخنا يهز بالدفء الكيان الصغير هزا، يجعله يسبح في نشوة عارمة تضارع نشوة الانتصار. من دون وعي ترفع يدها تلوح وتصيح :
- صلاح....اوه ه ه يا صلاح ...لكن صوتا كهزيم الرعد تسمع ، فتجفل وتتكور وتتكور كوردة لسعها الصقيع. وكأن ـ صغيرتي من الاحسن حذف هذه الكلمتين ، دع الحكي ينساب تلقائيا، لاتجعلنا نحس انك تتدخل في النص ـ علمت أن جسدها أضعف من أن يقف أمام ذي-ما الداعي الى إثقال النص ب ذي..ذا ..؟- ذوات الرسائل الصوتية... التاذت بالسياج المنخور بالصدإ لعله يحميها!.
توقف الرصاص، فوقفت وهي تُسبح وتكبر وتحمد الله على النجاة، ترفع رأسها لتعاود الصياح...لكن، فات الأوان...إنه أمامها.. ـ صلاح لا داعي لذكر اسم صلاح .يجب افتراض ان القارئ يمتلك مقدارا من الذكاء والفهم ـ منتصبا كعود ريحان...
تتشابك الأيادي الصغيرة، تتبادل الدفء من خلا ل السياج، دفء الإنسانية، دفء الله المكنون في أرواحنا الأبدية... تسحب يديها وهي تبتسم. لا يمانع...يخفف الضغط على الأصابع الندية ويرد على البسمة بمثلها.
تومئ برأسها إلى اليد المختفية وراء ظهره وتقول له :
- ما أحضرت اليوم....يا شاطر...؟؟
بدون أن يجيب، ينشر منديلا على حافة السياج وينثر عليه تينا مجففا ، وزيتونا، وخبزا و رمانتين بحجم بدر!
يهل وجهها الصغير بشرا، تنبس :
- شكرا لك يا صلاح ...أتدري؟... كم أحب التين! سيكون لي عونا فربما لن يكون لنا عشاء اليوم...أبي لم يحصل بعد على أجرته الأسبوعية...دوما يُماطل.. ."
لم يقاسمها الأكل...بل اكتفى يراقبها-بالجملة شيء من الركاكة ، يستحسن القول : بل اكتفى بمراقبتها / ظل يراقبها كما يراقب حمامته البيضاء المفضلة دون باقي سربه لما يطعمه على السطح ساعات الغروب...الجملة توحي ان المغرب يستغرق ساعات،يحسن القول :ساعة الغروب وهي تعني ايضا كل غروب.
أتمت أكلها فشقت رمانة أفرغت حبيباتها الحمراء في يديه امتنع أن يأخذ...آثرها على نفسه ...لكنها أصرت أن يكون أول من يأكلها..هي كذلك-يجب حذف "هي كذلك "لانها اثقلت النص، هب نسيم أطاح بطرحتها أرضا ، التقفتها ووضعتها على ركبتيها..تاركة الشعر يرسل تحية مشفرة...ما دام الجوار لا يضم إلا روحيهما...ولا بصاص...
وقف الصغير، اخرج من بين أشواك سدرة مسلوبة النبق...لوحة خشبية سوداء ...أثبتها على الأرض الجدباء بأحجار، ومن جيبه اخرج قطعة طباشير... والصبية تتابعه باهتمام.وبكل رزانة وكثير من الوقار،قال لها:
ـ اليوم يا فاطمة سنمر إلى مرحلة القراءة...إنك أصبحت تعرفين جميع الحروف وكل أصواتها... لقد أخذت منا قرابة سنة.
ردت وهي تحجب وجهها الصغير بطرحتها السوداء إلا عينيها الباسمتين:
ـ نعم و أنا أيضا مشتاقة للقراءة والكتابة... كبنات المدينة. سوف لن يأخذ ذا مني وقتا طويلا إن شاء الله.
كتب بخط جميل وأنيق : نحن فلسطينيان... ودعا الصغيرة للقراءة.
حدقت في اللوحة طويلا ...أمالت برأسها الصغير ذات اليمين واليسار،وضعت يدها على فهمها من وراء الثوب، بدت له أنها استسلمت للفشل... حثها... حفزها فنبست:
ـ نَـ....حْـ...نُ....
رآها على الخط الصحيح فحفزها قائلا :
ـ أنت شاطرة، يا....فاطمة...تابعي
تابعت وقرأت :نحن فلسطينيان ، نعم....نعم أنا وأنت....يا صلاح... رددت وهي تقفز وتصفق والطرحة على الأرض
والشعر طليق كفراش في الآفاق...
عادت لهدوئها ...هدوء الراشدين وانحنت على السياج وقالت :
ـ ما هذان الرمزان اللذان فوق الحاء....و...والسين؟
رد الصبي :
ـ هذان سكووووو .........أه أه... أي ي ي.....
الجواب ما غادر الشفتين إلا نصفه ...قد دوى الهزيم ممزقا السكون لحظة ....ثم عم الصمت الأرجاء....صمت رهيب!!!
فاطمة....مجندلة. اليدان النحيلتان ممددتان داخل السياج والفم فاغر....ربما كلمة ما كانت تموج بها الحنايا أصبحت طليقة محمولة على الأثير المسافر في كل الآفاق...والدم المسفوح خضب الحصى والأعشاب البئيسة بلون ارجواني..
صلا ح يزحف صوب فاطمة دامي اليدين والصدر.. يجر نصف رجليه.... اقترب منها ، لا مس يدها فوجدها باردة برودة رهيبة ...أحس مثل برودتها تكتسح جسده النحيل... فهم بالبكاء لكن، نوما جميلا يستوطن وسط رأسه... وضبابا يحجب رؤية السماء الزرقاء عنه.
على السياج الطويل طول الزمن حط عصفوران أسودان أكبر بقليل من زيتونتين سوداوين..يتابعان خروج دعصوقة زاهية الألوان من كم صلاح ...ربما أفزعتها برودة جسمه.
بالتوفيق
تحياتي