تأبط عدة قبضات من النعناع اليانع، و انطلق يحدوه الأمل في ربح سريع نحو سوق القيم ، طفل يكاد يغادر سنواته العشر الأولى من حياة أسست لبؤس لاحت بوادره يوم صاح صيحته الأولى ضمن إخوته التسع، إنهم البؤساء الجدد الذي تخلفهم وقائع العالم الجديد المتسارعة
.
طفل كأمثاله من أطفال الفقر يتسارعون في زمن السرعة نحو المجهول بخطى يائسة ، يرسلهم أهلهم أو ترسلهم الحاجة نحو غيابات سوق تختلط فيه جميع الحاجيات و الرغبات ، المسموحة و الممنوعة ، المحمودة و المذمومة ، الثمينة و البخسة ، كل طفل يكتب قدره عن طواعية ، عن سفه ، عن بؤس ، المهم أنه سيخطه ، و ينفذه ، و يتحمل العواقب ، ثم يلام ، و أهله يندبون حظهم بعد ذلك ، و يستجدون ، و يقبلون الأقدام .....
طفل، و آخر ، و آخر... و القائمة تطول طول الزمن . كلهم يتأبطون ، قبضات نعناع ، أكياس البلاستيك ، أملا زائفا ، المهم أن يتأبطوا و يدخلوا سوق القيم ..... لكل و احد قيمته و ثمنه الذي سيدفعه . .....
يلج الطفل السوق ليكسب قوته و قوت أبيه الذي أنجبه و قوت البيت الذي لفظه إلى السوق ، يحمل بين يديه البضتين سلعته البخسة و يثمنها بكلمات و يلح على مرتادي السوق ، فيتلقى الإجابات ، و ما أكثرها .الكل منهم يحمل جوابا ، و قد يحمل معه عنفا ، فيقدمهما على طبق من حقد لذلك الطفل الذي يعبر سنوات القهر كما تعبر وعول الغابة نهر التماسيح .برعب تفرضه سنة العبور إلى ضفة الحياة المجهولة المصير. يقدمون لأطفال تقسوا عليهم الحياة و يقسوا عليهم الأحباب و الأغراب شتى أنواع الأجوبة.... .
يقبض الطفل و يقبض نهاية اليوم ، دريهمات و لكمات و كلمات ، منهكا يعود إلى بيت غير ودود ، ينسى التعب ، ينسى الضرب ، لكن القهر يترسب في شخصيته و يصنع شخصا للمستقبل ، شخصا كله عقد نفسية ، ترك المدرسة رغما عنه بدءا ثم طواعية بعد أن تحسس جيبه ظانا منه أنه امتلك أسباب الحياة الكريمة .
طفل لا يعلم ما يريد ، تحمل مسؤوليته عن نفسه دون حتى أن يفهمها ، قفز على سنوات عمره في غير انتباه من المجتمع.
صخرة سيزيف ، تاريخ يتجدد إلى الأبد مع البؤساء الجدد.