النظرة الثلاثون
قالت "للا خدوج"ذلك وهي تتصبب عرقا ،الوقت ظهيرة وهي أشد الأوقات وطأة عليها ،خاصة وأنها ازدادت بدانة منذ رحيل الفقيد...تخطو بصعوبة ،هي حازمة في أوامرها رغم ذلك مطاعة فيها بدون تردد:
-أنا ذاهبة أمي ،لقد سرجت الحصان وحضرت كل البيدونات ،هي عشرون بالتمام والكمال ..أكدت على الجملة الأخيرة ،تعرف أمها وعدها للبدونات كل يوم وإعادة العد وتلقينها دروسا في ذلك..خاصة حينما تجد أنها قد عادت بواحدة ناقصة ،فرغم تبريرات "فاطمة" فهي لا تسمعها أبدا وتبدأ بالصفع واللطم باستمرار ...
اتجهت ،ممتطية الحصان الذي يزداد هزالا يوما بعد يوم ،والحق يقال فسبب بقائه متشبثا بالحياة لغز في حد ذاته ،خاصة بعد نفاذ آخر أكياس التبن التي تفضل بها "برحيل"... نحو بئر "سيدي المعطي" ،تلبس الزي القروي المعروف ،لم يبق له لون ،فيه مزق خفيفة كما تقول أمها ،لا بأس بها وبه ،تعتمر قبعة من
القش تقيها حر الشمس التي ترسل أشعتها كسهام مرسلة من يد مقاتل مغوار ،تخترق كل ما تجده في طريقها وتعلن الحداد عليه لابسة الحمرة ...
حين وصولها ،كان صاحب آخر من يسقي هو العم "العياشي"،عجوز تجاوز الستين ،يتوكأ على عصاه ،ينتقل بشق الأنفس ،لم يكن هناك غيره ،يرسل دلوه ،ينتظر دقائق معدودات قبل أن يسحبه لكي يفرغ ما حواه من ماء في بدوناته بالقرب منه .
-عمي "العياشي" السلام عليكم ،كم بقي كي تنهي ملء بدوناتك؟
-وعليك السلام ورحمة الله وبركاته وصلوات الله على رسوله الكريم وعلى...
-عمي "العياشي".....
-اثنان..قالها متمتما ..
النظرة الواحدة والثلاثون
دائما نفس الجواب ،وفي كل مرة يطول ملء هذين البدونين ،يرسل دلوه،يسرح بعينيه فيما حوله،تفرسها وهي تتفيأ ظل الشجرة الوحيدة القريبة من البئر ،تساقط جل أوراقها ..
العم "العياشي" الوحيد الذي تحايل على العساكر...بمساعدة الشيخ طبعا...بقي في منزله متصنعا المرض ،وطبعا للشيخ مآرب أخرى مع العم ...
-هل توصلتم بمقدم أجر أبيك ؟
-............
-لم تفهمي؟؟
-بالضبط..
-هل أرسل أبوك المصروف الشهري؟؟؟
-لا أعلم..
-ساذجة..أنت ساذجة وستبقين كذلك
-لماذا عمي "العياشي" قالت ذلك وهي تقهقه
-لأنك ساذجة..هكذا ...هه...هه..هه..
تناسى الدلو حتى نبهته "فاطمة" فما أكثر المرات التي نبهته إلى الدلو ..
ملأ ما كان بحوزته ،وعوض أن ينصرف كالعادة ،حين تساعده على حمل بدوناته على ظهر أتانه العجفاء تولى إلى الظل ،جلس القرفصاء ،تظاهر بالعياء..
أرسلت دلوها ،انتظرت دقائقها المعلومات ،جالت بنظراتها ،لم تر أثرا لأي كان ،ومن سيتحرك في جهنم خالدين؟؟نساء القرية معروفات بقيلولتهن الطويلة ،نظرت نحو العم "العياشي" ،خيل إليها أنه غاف بيد أنه كان في كامل يقظته ..شبه فاغر الفم ،عيناه مفتوحتان ،يرنو نحوها ،يتأملها .أصحيح كان يتأملها ؟؟طبعا ينظر نحوها لكنه سافر عبر الزمن إلى أربعين سنة خلت حين كان لما يزال شابا في مثل سنها ...
النظرة الثانية والثلاثون
-الصباحات لله ..ميرد...
بدأت "جيهان"تلقين "زليحة"كيفية الاشتغال داخل المطبخ دون توقف تحت طائل العقاب البدني الذي ما فتئت تلوح به ،بل فعلت ،صفعتها باكرا وهي تملي كيفية تشغيل الفرن ،حملقت فيها وهي تغسل الكؤوس تداركت الموقف بسرعة ،بادرت إلى غلق الصنبور ،أشاحت عنها "جيهان" بوجهها بعد غسل الأواني وترتيبها حيث أمرت .الآن دور ترتيب وتحضير أدوات الفطور ،المطلوب منها هذه المرة الملاحظة الدقيقة فقط.
-سوف لن أعود إلى شرح "ستين حزب" مرة ثانية أفهمت؟؟ لزاما عليها أن تحضر الفطور كما تفعل الآن "اللالا" أمامها بالحرف...وقت استيقاظ "نسرين"و"الحسين" مضبوط ،السابعة والنصف عدا أيام الآحاد .يجب أن يكون كل شيء محضرا وفي مكانه كالعادة أيام كانت "زينة" من هذه؟؟زينة؟؟تساءلت مع نفسها لم تقو البوح بذلك ،لم تعرف إلا أفراد هذه الأسرة الأربعة ،هذا الصباح سمعت هذا الاسم كثيرا ،تطيرت به ....
- أوه لو كانت "زينة" باقية معنا...
-"زينة"لم أرها قط تترك الصنبور مفتوحا ........
-"زينة" خفيفة الظل ،سريعة الحركة،أما أنت ،أنت كالمشلولة بالضبط ،حركي يديك هيا ...هكذا ..هناك أشياء أخرى بانتظارنا ،نعم هكذا ..لا..لا..لآ..حذار ...
-يا ابنة الملعونة ،كسرت الكأس البلوري .........ابتعدي ..ابتعدي عني ..
-خذي الجبن،قطعي الخبز ..هيا