تجاوز الاثنان البيوت المتناثرة على جنبات الطريق المتعرج ...تصاعد نفير الريح بشكل مثير ... تخَلّت الأرض عن الأشجار والمساكن وأكوام القش ... على مشارف الربوة ... الظلام ... يقبع هيكل مسكن الخلادي وحيدا ... قبرَ مجهولٍ يحتسي وحشة النأي والعزلة... في سهولة وخفة , يعبر الخلادي الممر ... خبير متمرس ... كثيرا ما ارتاده جيئة وذهابا طوال فصول السنة ... ليل نهار ... خلفه أحمد ... يمشي ... يسحب قدميه في تثاقل ... يجتر شيئا ما بذاكرته ... غير آبه بعثرات الطريق ... أحجار ... حفر ... ارتطم إبهامه بصعيد صلب... لحق بعد جهد بالخلادي الذي تنبه لأنته المكبوتة , وبادره بروح مرحة : _ احذر , ستغير معالم الطريق ...
طلب منه الخلادي العون لسحب قطعة قماش وصلها بالقفل عبر ثقب بالباب... تعاقب الشد والسحب ... تقطع الحبل ... تناثر الاثنان على الأرض ... تعالت ضحكات الخلادي من وضعهما... أتبعه أحمد سيلا من الشتائم والسباب ... ثم رشقه بقطعة القماش التي ظلت عالقة بيده ... تناولها الخلادي ودفع الباب ... سُمع صرير أثار الأسنان ... يغادر قط ضخم الغرفة ... يمشي الهوينى ...رماهما بنظرة سخط واحتقار ... تراه لم يجد ما يستحق الأكل بالبيت ... أتبعه الخلادي ركلة أخطأته . ـ " اخْرُج غَبّر كمّارتك.. ابْقَيْتي لِيَ عَانْتَ ..." طلب من أحمد عود ثقاب ... ظفر قطعة القماش و طمر طرفها في زيت وضعه على قاعدة فنجان مقلوب ... أوقد فيها نارا بدد نورها الباهت بعضا من ظلمة المكان ... تهالك العاشق أحمد على كرسي مهترئ ...بدا شبحه غامضا في غبش العتمة ... ليلة صيفية غريبة مكبلة بسكون الحصار وخرس الموت المخيم على القرية ... دخان المحروقات يخنق النوافذ ... بيوت مرقوشة بالرصاص ... رائحة البارود تزكم الجو بنكهتها المقززة ... تثير في النفس خليطا من الحنق والرهبة ...كان شبح الموت يبطش بكل قبسات النور المشعة بعد الثامنة , حيث يسري حظر التجول ...والرصاص الحاصد يترصد نوافذ وكوات البيوت المتراكمة على واجهة العقبة الصعود ... قيّد الخلادي حركة الباب الذي ظلت قوة الرياح تعزف به موسيقى تتناغم و ظروف الخراب الذي يشمل المكان... وضع حجرا متوسطا خلفه ثم نشر عليه ملاءة بالية , منع بها تسرب النور عبر شقوق الدفة ... دس إحدى جواربه بشق صغير , كان يستعمله لترصد رواد مسلك وكره البعيد ...
منذ مدة وأحمد يشارك الخلادي مسكنه ... حيث تعددت المداهمات لبيته ... صار مطلوبا حيا أو ميتا ... اعتُقل والده لإرغامه على تسليم نفسه ... همّ بالفعل لولا وفاة الوالد بالمعتقل ...من يومها صار سوط عذاب يلهب ظهر القاصية من غنم العدو ... من سماه بالبوم الذي يحمل الموت لبيوت المعمرين ليلا ... ومن سماه بالثعلب الذي يضرب في الخفاء ... ومن , ومن ...
تهالك أحمد على السرير الصريري , واستطاع أن يقتنص لنفسه لحظة للعشق والذكرى وسط رائحة البارود ...فتح الورقة التي تكور شكلها من شدة الإطباق ... حولت الإنارةُ الذابلة المترنحة بياضَها صفرة ... بدتِ الحروف بنّية مضطربة ... انبطح بصره على سطورها ... يلتهم ثنايا عباراتها في صمت وعجالة ... تعوقه رغبة التأني والتوقف على معاني الكلمات الحارقة ... يتسلل إلى أضلعه سحر الكلمات ... تتهشم الصلابة ... تتدرج دماؤه قربانا على أعتاب عذوبة الكلمات ... روح مرهفة موزعة بين حصار الرصاص و تعنت أب يرفض الحبيب ... ولهفة تثير رعشة دافئة بجسد أحمد... تسللت كلماتها إلى القلب الكسير :
" حبيبي ...روحي ...بالكاد تمكنت من قدّ هذا الزمن ... أركن إلى خطاب طيفك العالق على مفرق عينيّ ... زمن أعد عمري بلحظاته ... إنني والقلم جاثم بين أناملي المرتعشة ... أحاول سبق الزمن , حتى أحمل الورقة كل خلجاتي ... خواطري ...حبي ... ووحشتي إليك ... أخال شساعة الزمن تضيق على حجم كلماتي التي إن طال الخطاب , وجف الحبر لن تنفَذ ...تتضاعف لهفتي بصدري ضعفَيْ ما يسطّر قلمي ...
عزيزي ... مهما تقسو الأيام ... ومهما يفظ والدي ... أتماسك ... إيماني بالفجر القريب و جلدي , يعيناني على انتظار طلعتك , وقد تحقَّقت رغبتنا التي طالما أسهدت ليالينا بالجامعة ... أتذكُر ؟؟؟ ... لن أنس ما حييت جماعتنا الجميلة , وهي تدرس خطط العدو , وتترصد خطاه للنيل منه ...كأنني بلقاءاتنا واجتماعاتنا خلال الشهور الماضية لم تمض عليها أكثر من ليلة البارحة ...أتذكر الزاوي نزيل أرض الشاوية بمحياه القمحي ...وحسان الطنجاوي , وياسر وعلي ورشدي ,وامبارك الصحراوي الذي فاضت مقلتاه دمعا جارفا فرحا بالمواقف البطولية لمغاوير المقاومة ... أتذكر حينما انقلب الموقف ضحكا إثر دعابتك أن الدمع الساخن سيزيل عن خذيه اللون البني , ويصبح حمار زرد مخططا بالأبيض والأسود ...كان الجسد المغربي مجسدا بكل ألوانه بغرفتك الصغيرة التي لم تضق بنا يوما , كأنما تتمطط ...
عزيزي ... لقد بلّغتُ سامية رسالتكَ , وأكدَت استحسان الخلية للفكرة ... واللقاء سيكون بالموعد المعلوم ... أبشرك بالإفراج على محمد وزكية بعد يأس العدو من صمتهما وجلدهما , رغم لهيب السياط التي أدمت جسد محمد , وعرض زكية الذي هتك ...آه كم حزنت عليها , وقد ركنَت لزاوية مطأطئة الرأس حزينة , تجتر في دواخلها ألم العالم ومرارته ...كم حزنت عليها , حينما تعْلَق على محياها ابتسامات تتخلل بين الفينة والأخرى الدمع و الشرود ... تدري عزيزي أحمد ... كانت كلما خرجت من شرودها تحدثني والدمع يرسم جداول حارقة على خذيها : ـ أنا فداك يا بلدي ... عرضي ولا شرفك ... بالكاد أفرز كلماتها المتقطعة وهي مطبقة على شفتها السفلى ... يخنقها النشيج ...
عزيزي إن هدفنا واحد ... الفداء و المقاومة حتى النصر أو الموت ... وعرسنا سنقيمه حين الاحتفال الأكبر ...واعلم أنني مازلت على العهد ... لن أكون لغيرك ... وأن كل قطرة في دمي تنطق اسمك ...اعذرني الآن ... سأضطر لختم الكتابة ...أسمع وقع خطوات تقترب من غرفتي ... سلم على الخلادي ولكما سلام الإخوة...إلى فرصة قريبة ..."
ترك أحمد الرسالة تنزلق من يده التي شلتها حرارة الكلمات ... سقطت على صدره ... ظل بصره عالقا مسمرا بالسقف ... شاردا لا يلوي على شيء... تتكدس كلمات الرسالة أمام عينيه ... تترنح في فوضى ... تختلط على عنكبوت يصارع لشل حركة ذبابة بالسقف ... لا يخلصها سوى صوت طرقات مهول على الباب ... امتثل الاثنان واقفين في سرعة جندي متمرس ... شللٌ وذهول ... وقبل أن يخطو الخلادي خطوة واحدة لتخليص الباب من وابل اللكمات ... انهرعت الدفة وتطاير معها الحجر و كل الأقمشة و الأقفال ... انفرج المدخل عن جسدين , طوّحت بهما قوة ما إلى داخل الغرفة ... كان حسان و الزاوي يحاولان النهوض والكلامَ في آن واحد , حين اخترق الفوضى صوت شبح على الباب ... شخص محت الظلمة أبعاده ... لا يرى منه غير شعاع أسنان وبعض الثغرات ... كانت عينا امبارك الصحراوي تتطاير فزعا وفرقا ... " ـ احمد ... تمّ نسف داركم ... قتلوا أختك وأمك ... نهض حسان والزاوي ... أعادا القول نفسه , ليجيبا على تساؤل , علق لوهلة كمخلب من حديد على شفتي أحمد الذي قفزت به قدماه خارجا قبل أن يرتد إليه رشده ... ابتلع الظلام أجساما راكدة يتعقبها وقع أقدام ... حصى يتطاير ... و سقوط هنا وهناك لا يسعفهم الزمن في إبداء وجع أو صراخ ... توقف أحمد يلهث أمام بقايا الدمار الذي أنارته فوانيس حملها الجيران ... لحق به الآخرون شعثى معفّرين كمن طاردتهم الكلاب ... وضعوا أيديهم على ركبهم يلهثون ... ينظرون ... بينما تخطى أحمد الحطام غير مكترث بنداءات التحذير و المنع ... دخل ما تبقى من غرفة الجلوس ... أشلاء هنا وهناك ... وقطع بشرية على كل الزوايا متناثرة ... تحت الأريكة تتمدد والدته جثة هامدة ... انتشلها ... احتضنها ... جس نبضها ... وكأنما لم يعد لباقي الكلمات وجود , دس وجهه بصدرها ... بالكاد ينعتق صدى الكلمة مكتوما " أمييييي ... أمييييي ... أميييييي ... آآآآهٍ أميييي " ... وكمن غفل عن باقي أفراد أسرته ... لامس سمعه صوت خافت واهن ... كانت أخته الصغيرة , تناديه ... أسند أمه برفق ... وهرع إليها ... هاله ما لحقها من أذى ...حملها بين ذراعيه ... ينظر إليها ... أظلمت الرؤية أمامه ... ازدادت هزات صدره ... نفذ ما بقي من جلده وزاد في نحيبه المكتوم ... سهِم للحظة , و جسد أخته الصغيرة الوحيدة جاثم بين يديه ... نظر لذراعها التي بترت بجانبها ...رفع بصره إلى السقف كمن يبحث عن الله ... أو يبحث عمن يملي عليه السبيل ... كان يبكي ... ويبكي ... يبكي أخته التي علم أنها تحتضر ... كانت ترجوه وترجوه ... ترجوه أن يوقظ أمهما للرحيل عن ذلك المكان المفزع ... كانت ترجوه وبسمة الرجاء والتودد تعلو محياها الجميل المعفر بمزيج الدم والتراب ... ترجوه أن يعيد لها ذراعها حتى تعين أمها على النهوض والرحيل ... لم تكن تعي أنها تحتضر ... مسح وجهها المخدوش ... أخذها برفق في حضنه ... ضمها إلى صدره بحرص شديد , خشية أن تأخذها المنية منه ... رفعت عينيها إليه ببسمة حانية ...شاهدت الدموع تسيل على خذيه ...رجته ألا يبكي ...أنهم سيرحلون جميعا إلى دارهم بالبادية ... ستلعب من جديد ... ستقبل أمها كل صباح ... ستقتسم الحلوى كعادتها مع زينة وراتب ابني جارتهما بالبادية ... كانت وعودها الطفولية تزيد وتثير دموعه أكثر فأكثر ... حاولت رفع يدها المتبقية لمسح العبرات عن خذيه ... لم تسعفها قدرتها على الحركة ... فقد شُلت الذراع المتبقية ... رجته أن يعيد لها ذراعها المرمية جانب الأنقاض لتمسح بها الدموع , وتمنعها من الانهمار ... وبين رجائها والإلحاح , ظلت تردد " هيا احمل لي ذراعي ... هيا ..., هيا ,هيا ... إلى أن لفظت آخر أنفاسها ... كاد أحمد يجن ...رجّها بقوة ... رجاها أن تتابع الكلام ... ألا تصمت ... ضمها بشدة إلى صدره , حتى لا تخطفها المنية منه ... رفع عينيه إلى الناس الذين تحلقوا حوله ... يستجديهم ألا يتركوها ترحل ... كانت الدموع على كل العيون تجيب بالوداع الأخير ...أدرك من صمتهم ... دموعهم ... أنها رحلت ولن تعود ... صرخ بصوت , رج الفضاء حوله : " لا...لا...لاااااااا "
أبعده الناس عن المكان ... ومن يومها عزف عن الكلام ... ولزم الصمت , كمن طاله الخرس ... توارى عن الأنظار ... غادر إلى المجهول من غير رجعة ... لا أحد يعلم له مكانا ... صارت كل الاغتيالات تنسب إليه ... و غدا اسمه بعبع المعمّرين يرهب الكبير والصغير... أسطورة حظرت عليهم التجول فور كل غروب...