
غريب هو هذا الكائن البشري..بقدر ما هو قوي بقدر ما هو هش كورقة خريف في مهب الرياح. كانت ليلة ككل الليالي, اخلد للنوم وأنا مسرح للأفكار والتأملات, الألم والآمال والتنهدات..الفرق الوحيد, نزلة زكام عادية الم بي في يوم كان اسمه الأربعاء..نمت بعد تجرعي للدواء, وأنا احلم بصباح الخميس أقوم معافى... استيقظت مساء الجمعة..الغرفة ليست غرفتي وسريري ما هو بسريري, لجدران الغرفة بياض قاتل و للأجواء رائحة الكوابيس. التفتت حولي..سرير آخر بجانبي تجلس عليه سيدة متكئة على كفها تنعم بلحظات من السبات المتقطع...
_ الحمد لله.., أجابتني و هي تقفز من سريرها, لا تقلق أنت بخير
_ نقلناك صباح الخميس إلى هذا المستشفى وأنت في غيبوبة كاملة...لقد أجريت لك تحاليل وأشعة مختلفة وكثيرة..وها نحن ننتظر
_ننتظر بعض التحاليل التي أرسلت إلى مختبر بفرنسا..أما ما جرى..توقفت لتمسح بكفها دمعة انسابت على خدها..لا احد يدري, صباح الخميس أتى ابننا ليوقظك..تنهدت..فناداني "ماما ما به أبي لا يسمعني..يئن ويصدر صوتا غريبا.." هرولت فوجدتك ممددا وأطرافك كأنها من خشب والتشنج تمكن من كل جسدك..صرخت صرخة واحدة وصرخ معي الصغير, فهرع الجيران مذعورون إلى بيتنا. حملناك في سيارة جارنا الحاج وأسرعنا بك إلى المستعجلات...
_ هذا مستحيل..كان مجرد زكام..
غريب هو هذا الكائن البشري, لفحة برد أو ضربة شمس تكفي لتكنس ماضيه وحاضره ومستقبله ويصبح في رحاب العدم..
خمسة عشر يوما بالمستشفى, خمسة عشر يوما من الأسئلة عن ابني الذي منع من زيارتي..
خمسة عشر يوما تمنيت فيها الشفاء العاجل كي أضمه إلى حضني وانتشي ببسماته الربيعية..
خمسة عشر يوما تمنيت فيها لو أني مت ولا راني ابني ممددا وينتابه الخوف والهلع..
امتثلت للشفاء بعدها وعدت إلى البيت وعانقت ابني وخجلت من نظراته وتألمت لبسماته وفرحته, وأصابني الهلع حين طلب مني ألا امرض ثانية.
خمسة عشر يوما كنت قبلها أسابق الرياح
خمسة عشر يوما بعدها أصبحت تسابقني السلاحف.
خمسة عشر يوما فتحت عيني على الحقيقة: الإنسان أكثر المخلوقات هشاشة في الكون.
( ابعث من هذا المنبر تحياتي, شكري وامتناني للأطباء والممرضين بالمستشفى العسكري محمد الخامس بالرباط)