خـــديـــجـــة
لم تنزل من السماء كما تنزل الملائكة رحمة وروحاً على الأرض . ولم تخرج من النهر كما كانت العذارى الحسان من بنات الماء يخرجن في الزمان القديم من الجداول والأنهار ، ومن العيون والينابيع . ولم يحملها الينا السحاب ولا أرسلها الينا نجم من النجوم . وإنما نشأت في القرية ، وفي أسرة بائسة شقية من أسرها كما ينشأ غيرها من عشرات العذارى ، بل من مئاتهن و ألوفهن في المدن والقرى دائما . ولكنها امتازت من أترابها بوجه كأن الشمس ألقت رداءها عليه نقي اللون لم يتخدد ، ولم يكن أحد يعرف من أين جاءت بهذا الوجه السمح الطلق المشرق النقي . فقد كان وجه أبيها جهما غليظا قد احتفرت فيه الأخاديد احتفارا ، وفعل به البؤس والشقاء وشظف العيش الأفاعيل . وكان وجه أمها صورة رائعة للقبح ، ان جاز أن تكون للقبح صور رائعة . وكان ضيق الحياة وخشونة العيش ، وهذه الضرورات المحرجة التي تدفع البائسين من العمل إلى ما يحبون ، وترضيهم آخر الأمر عما يكرهون - كان هذا كله قد غشي وجه الأبوين بغشاء صفيق مؤلم من الكآبة ، والذلة ، والحزن ، والغفلة والغباء .
ولم تكن تمتاز باشراق الوجه ونقائه فحسب ، وإنما كان اشراق وجهها ونقاؤه مظهرا لصورة رائعة بارعة من الجمال والحسن ، قد أسبغت على جسمها كله ، فكان شيئا رائعا متقنا كأنما صنع في تمهل وتأنق وأناة ، كأحسن ما يتمهل المثال البارع ويتأنق ويستأني بعمله فيخرج تمثاله آية في الروعة وفتنة للعيون والقلوب جميعاً .
وكن صوتها ، إذا تكلمت ، رخما عذبا صافيا ممتلئا ، لا تكاد الأذن تسمعه حتى يحضر في النفوس ، هذا الوقت القصير بين انطلاق الفجر في ظلمة الليل كأنه السهم ، واشراق الشمس على الأرض حتى تملأها جمالا ونورا .
كان صوتها يحضر في النفس هذا الوقت القصير الذي يكون بين انطلاق الفجر واشراق الشمس ، والذي يترقرق فيه نسيم رقيق عليل ، ويسقط فيه الندى كأنه تحية حلوة ، ملؤها الحياة والنشاط ، قد أرسلتها السماء الى الأرض وتستيقظ فيه الطبيعة نشيطة متكاسلة مع ذلك : تتغنى الطير وتحف الأوراق ، وتهف الغصون ، ويهمس الضوء الفاتر إلى الأرض إن أفيقي وتأهبي ، فقد أوشك موكب الشمس أن يلم .
كان صوتها يحضر في النفس هذا كله إذا تكلمت ، ولم تكن تتكلم إلا قليلا ، وكان صوتها ذلك الرخيم العذب الصافي يلائم وجهها المشرق النقي ، وخلقها الرائع السوي ، فكان شخصا أشبه شيء بآية من آيات الموسيقى التي لاتلذ كل ما في الإنسان من ملكات الحس والشعور والتفكير . وكان الناس يتساءلون ولايكفون عن التساؤل : من أين جاء هذان الأبوان اللذان آثرتهما الطبيعة بالدمامة والقبح ، بهذه الآية التي استأثرت بأرقى الحسن وأنقاه ؟ وكان فقيه القرية إذا ألح الناس في التساؤل أمامه ، تلا عليهم هذه الآية من القرآن ، منكرا عليهم تساؤلهم وإلحاحهم فيه: " يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ، ويرزق من يشاء بغير حساب " . ثم يقول لهم : وَ يْحكم ! ما تنكرون أن يهب الله الجمال للقبح وهو يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ! انكم لا تنكرون أن ينشق الليل المظلم عن النهار المبصر ، ولا أن ينهزم ضوء النهار أمام ظلمة الليل فلمَ تنكرون أن يهب الله خديجة هذه لأمها محبوبة ولأبيها شعبان .
يتبع...
طه حسين..
من المعذبون في الأرض.