تنساب على الإسفلت .. يكاد الهواء يلامسها ولا يكاد .. عذراء , تتهادى في خيلاء فرحة بقدوم العريس .. كان يومها الأول على الطريق .. تتمايل في غنج على المنعرجات .. تميد الأرض من تحتها .. لو كانت بشرا لخلناها نشوى برشفات النبيذ.. على جانبيها زخارف يغار من سحرها نقشُ حناء فتيات الخليج .. تخترق فلول الأشجار غير آبهة بنهايات الطريق .. قطرات الرداد تنساب على صفحات الزجاج الإيطالي الفاخر .. سائق الحافلة الجديدة اليابانية الصنع يبتسم تلقاء نفسه .. مزهو بلمسات التكنولوجيا على لوحة السياقة .. كعاقل تحسن التخاطب .. تتلقى الأوامر فتطيع .. بأحشائها مكيفات carrier تنفث مزيج البخار و الجليد .. ليونة النوابض تدلل المطبات .. مسافرون ينتشون بالموسيقى الهادئة .. يتمايلون كالحالم على أرائك القطن والحرير .. موسيقى تركية هادئة تثير الرغبة في انتقاء أطياف للغزل .. ابتسامات وهمس ونظّارات رفيعة تطبع الراكبين بمسحة التحضر .. إيخاء وإيثار و رخاء .. "خاي .. اختي .. لحبيبة ديالي ".. كالمبشَّرين بالجنة يتعجلون الدخول .. أثارت لوحةٌ كُتب عليها "الخزيرات" موجةً من الفرح و الحبور .. تبودلت النظرات وعبارات التهاني والمباركة .. ساعتان على ظهر سفينة طارق بن زياد فتتبدد سنوات الهجرة والحنين .. "ميناء طنجة يرحب بكم " .. دبت الحركة بين العائدين إلى أرض الوطن .. جلبة وأمتعة .. تدافُع وحنين ..
ـ " شد خوك من إيدّو , أوعنداك الطلقوا " .. بحرص وحزم تدير الحاجة فاطمة الموقف .. بينما ابتلع الزحام زوجها عمر المسّاري الذي توجه صوب إدارة الجمارك .. فتح حقيبة يدوية , و نشر عشرات السبائك الذهبية الثمينة .. تبادلت العيون الغمز و اللمز .. تحلق حوله ثلة من البوليس والجمركيين ..
ـ أتدري كم مليونا سيكلفك التعشير على ذهب بهذه القيمة ؟
تطلع أحدهم على جواز سفره .. "المساري؟؟ !!! " .. هل تقرب شيئا للمقاول الطاهر المساري , أم أنك أخوه ؟
ـ أخوه !!.. هو الذي يقرب لي .. وهو أخي , ولست أنا أخاه ..
تبسّم الحشد لغرابة الجواب .. وحِرصِ السي عمر على أن الآخر هو أخاه , لكنه كان يعي ويعني ما يقول .. حيث إن أخاه الطاهر المساري هذا الاسم الرنان الذي اقترن بالمال و الأعمال و ردهات البرلمان , كان قبل هجرة السي عمر نكرةً تعمه في الأمية .. تتعقب قطيع أغنام .. ترعاه وسط سحابات الغبار .. جلباب قصير غزته الرقع .. نعلٌ من مطاط عجلات شاحنة, يختم المواطئ بعلامة GOODYEAR , ومسامير مشرئبة ألِفَت قدميه .. بينما على الطرف الآخر للمتوسط شق السي عمر طريقه إلى الثراء ..عصاميا بسيطا , يعي بالفطرة مفهوم البلد, الوطن .. لم يشعر يوما بالأمان أو الانتساب لإيطاليا التي شرعت له أحضانها , وأغدقت العطاء .. أنشأ عشرات المشاريع بالمغرب أوكل أمرها لأخيه الطاهر , فكان الواجهة التي عرفها الناس, و الاسمَ الذي نثر ذِكرُه سحرَ المودة على عيون رجال الشرطة و الجمرك .. ـ "اتفضل آلسّي الحاج .. ـ استرح آلسّي الحاج.. ـ آش حب الخاطر آلسّي الحاج.. ـ آرى واحد سيدي علي باردة لسيدي الحاج" .. وصلت لتوها الحاجة فاطمة .. استغربت الحفاوة المفاجئة التي حظي بها زوجها بغتة .. أثارت بنفسها الريبة و شيئا من التوجس .. ودون سابق إنذار سحبته مع ابنيها من يده من بين جماعة المتوددين الذين أصيبوا بالسّبه .. كجِراء سُحِب من بين قوائمها عظمٌ كبير ..
امتطت الحافلة اليابانية صهوة الطريق من جديد.. تعدّ المدن الواحدة تلو الأخرى , ككريات سُبحة انفرطت , تعيدها لخيط الحرير .. ثلاثة أيام على الطريق كانت كافية لتنشأ علاقة ود واستلطاف بين فتاة وسائق الحافلة , الشاب الوسيم .. تركت مقعدها وجلست بقربه على مقعد المساعد الذي أبدا قمة الإيثار والمساعدة .. تمنى الاثنان أن تطول الطريق وتطول .. تعالت الضحكات .. وتعددت اللمسات .. تفهّم الركاب المتحضرون بالهجرة طقوس المحبين , إلا واحدة لم ترْقَ لقبول تلك السلوكيات .. كانت البشاعة والضيق والتنافر والمزاج الصعب المتغير طبعَها وسِمتها.. وسط أجواء الحب والرومانسية , استغلتِ الطريقُ الوطنيةُ أولَ منعرجاتها ليجد السائق الهائم نفسه على عجلتين .. مائلا .. لم يسعفه الزمن في رد الحافلة للطريق .. كأنها بين كفي شيطان مريد تُصرَع .. ارتجاج .. أصوات .. صراخ و عويل .. وصفحة الجبل تقترب الهرولة مشرعة أذرعها لعناق العائدين .. تحاشى السائق العناق "كجنتلمان" يتفادى خدش شعور جليسته .. انجرفت الحافلة على المنحدر الشديد يتعقبها الحصى والصخور .. تعاقبت السماء والأرض على سقفها .. بياض .. سواد .. تخلت في انحدارها على الأبواب والعجلات وبعض من حمولتها والركاب .. لتنهي تحليقها بارتطام مهول بالسفح أثار الغبار و أعمدة من دخان ..
لا يدري أحد كم مر من لحظات أو أيام لقدوم الإغاثة .. ولا كيف تم العثور عليهم .. ظلت الحوامة بين صعود وهبوط تنتشل الجثث لتلقي بها إلى سيارات الإسعاف التي ظلت قابعة بالأعلى بين حشود السيارات .. كان احتضان الجنة ـ أرض الوطن ـ للمهاجرين مبالغا فيه .. لم يتبق منهم غير خمسة أفراد ثلاث نساء و شابين , أحدهما عادل ابن السي عمر والحاجة فاطمة ..
ستة أشهر بالمستشفى كانت كافية لاستعادة عادل وعيه .. في تلك الليلة تنبه لخطوات تحوم حوله في ظلام مطبق .. فتح عينيه .. أصوات تتهامس و ردود غير مرتبة .. "مسكين" .. "اللهم لعمش ولا لعمى" .." اعلى اسلامتك ".. عبارات تنصّلَت عن أشباحها .. تخترق سكون الظلام .. لامسته يد ناعمة , أطبق عليها يتحسسها .. كالعائد من دهاليز الموت .. سفر بعيد .. غائر في ربائد التاريخ , تحسس ذقنه بيد كالجان تصر على الخفاء .. لبدة من شعر ناعم , وخصلات تدلت على جبينه وعينيه تلامس الأنف .. واحة من شعر أزاحها عن عينيه لتكشف عن فتاة اتشحت ببياض .. نظرت إلى عينيه .. ابتسمت .. تداعت أوصاله بسحر غريب .. ـ" اعلى سلامتك ".. نظر إليها كغريب الأهل و الدار .. وقبل أن تنبجس من فيه كلمة , سحبت يدها الناعمة برفق .. خلصتها من إطباقة يده .. علت وجهه حمرة الخجل .. كيف ومتى تجرأ على لمسها..
كالنار في الهشيم سرى بالمستشفى خبر يقظته ..هرع إلى الغرفة مجموعة أطباء .. انسحبت ذات اللمسة الحنون .. تحلقوا حوله بقسمات صارمة , بين متحسس للحرارة و جاسّ للنبض و .. وعادل في شَدَهٍ يراوح بصره بين الوجوه .. دونوا على بطاقة معلقة على السرير كلمات وتواقيع .. و كما دخلوها أول مرة , خرجوا وهم صامتون .. غمر الغرفة سكون , تمنى عادل أن ينفرج من جديد عن ذات اللمسة الحنون .. توالت اللحظات ثقيلة رتيبة .. دهاليز طويلة بلا نهايات .. قاعات متعددة الصدى تثير الرهبة .. رائحة الموت والدواء في كل مكان .. إنارة خافتة كغبش الفجر تنقطع باستمرار .. وليل سرمدي طويييييييييييل لا يبرح المكان .. تنبّه عادل لزر جانب وسادته .. ضغط .. امتثل القمر من جديد .. يتعقب خطواتها شيءٌ يزحف.. بدت صورتُها كبث تلفزي رديء باهتةً بين ظهور و اختفاء .. بادرها بالسؤال قبل أن تبدد بسمتًها جرأته الهشة , وتكشف ما يعتريه حضورها من سكينة و ارتياح :
ـ لمَ الإنارة خافتة وتنقطع طول الوقت ؟؟ .. انتظرت للحظة .. و قبل أن تجيب , انفجرت من تحت قدميها ضحكةٌ مكتومة .. تنبه عادل لذلك الشيء الزاحف : ـ الإنارة ستسبب لنا العمى بشدتها يا أخي عادل , وليتها تنقطع ولو للحظات لتريح أعيننا .. بالكاد حدد أبعاده .. شاب وسيم مقعد , يجر طرفين سفليين ضامرين كخرق بالية تنظف أرضية المستشفى .. كأنما يعرفه من زمن بعيد .. كانت نبرات صوته أليفة تثير الدعة و السكينة بالنفس .. هرولت الممرضة , غادرت فجأة كأنما نسيت الحليب على الفرن !!.. حز في نفسه أن تشح عليه بلحظة هناء .. وكأن لم تغادر القاعة , عادت و خلفها الأطباء !!؟ تساءل : لم ألمس يدها أو أسيء الكلام !! .. لم يكن في الوقت فسحة لعرض مزيد الاحتمالات , إذ وجه الأطباء أضواء مصابيح يدوية وهاجة داخل عينيه كمَن يبحث بالعتمة عن شيء ضائع ثمين .. تعاقبت الأيدي و الهمهمات .. وإن هي إلا صيحة واحدة "Bloc 15" , حتى تحوّلت القاعة إلى حفنة نمل مستنفرة .. هرولة وصدامات ..
مرت اللحظات ثقيلة رتيبة على رشيد الشاب الكسيح .. يمشط الممر .. يزحف جيئة وذهابا.. يسحب خلفه أذيال رخوية .. يراقب مدخل غرفة العمليات .. قلقا متوترا , كمن يخشى على حياة زوج غالية تعاني عسر الولادة , يعترض سبيل أطباء وممرضين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم .. يذكرون حين دخل ذات يوم المستشفى جسدا تلهبه حمى غريبة .. حيرت الجميع .. أبت أن تخمد قبل تترك أثر العبور .. تخلت عنه الأم المدمنة التي جرفتها حياة الشوارع و الناصيات بعد أن تحوّل لعاهة , عالة على وضعها البائس .. تركته من غير رجعة لقدره المحتوم .. من يومها بقي بالمستشفى عونا من شكل خاص .. عونا فوق العادة .. يشفقون عليه ويغدقون ..
نشأت بينه و بين عادل الحاضر بجسده علاقة فريدة .. جعل من نفسه ملاكه الحارس .. يحدثه .. يسامره .. حكى له عشرات الطرائف و المقالب التي حدثت معه .. حتى التي كان يتحرج من ذكرها .. كانت أحاديث من طرف واحد , وجد فيها رشيد لذة الآذان الصاغية .. لذة من لا يقاطعه الخطاب .. مزق السكونَ صوتُ ارتطام دفتي "Bloc 15" يشرعهما الطبيب الرئيس في عصبية وغضب .. بأعلى صوته يصيح:
" C’est pas possible !!! c’ pas vrai !!! c’est de la folie ـ
ختم انتفاضته بعبارة : c’est l’affaire de la police.. وتوجه مسرعا إلى مكتبه .. لم يفهم رشيد شيئا مما يدور .. ظل للحظة يراوح نظره بين عابري البوابة , ينسِلُون تِباعا بين ساخط و محوقل وضارب أكف .. يرمون رشيد بنظرات تداخل فيها الحنق بالأسى والأسف .. تجمدت أوصاله .. وكاد ما سلم من جسده يُشل .. لأول مرة لم يتجرأ على السؤال .. و لأول مرة لم يعبأ بوجوده أحد .. توالت الاحتمالات سريعة متكدسة , لا يلوي ذهنُه منها على شيء.. وابل من المتضادات , ينسخ بعضها بعضا ..
حتى وفاء ـ الممرضة التي سكن للمستها عادل ـ رمته وهي تغادر بنظرة غريبة من خلف الدموع !! نظرة بدت له غائرة ممتنعة التأويل , و هي من كانت له في كل الأوقات كتابا مُشْرَعا واضح الحروف .. وقبل أن تتوارى خلف المنعطف .. ناداها بصوت خافت بين الهمس والجهر .. يتعقب حفيفه نقر كعبيها ـ " وفاء .. وفاء .. وفااااااء " .. كانت تسمعه .. ودون أن تتوقف أو تكلف نفسها عناء الالتفات , نصحته بإخلاء المكان لرجال الشرطة الذين قد يصلون في أي لحظة .. وكمن لهبت مؤخرته النيران , غادر يتلفت يمنة ويسرة , ينط بجدعه الذي اعتاد سحبه .. تتلاطم رجلاه محدثة صوتا أثار فضول وفاء التي التفتت .. توقفت .. واستغربت الخوف المريع الذي جعل رشيد يكاد يطير .. نزغت لها همسةٌ : ـ أيمكن أن يكون الفاعل ؟؟ .. رشيد يَـ ... عادل ؟؟.. لم تتجرأ على تسمية الفعل لغرابته .. تسأل وتلغي الإجابات .. كانت تعرف حبه الجنوني لعادل وتمسّكَه به .. استبعدت الاحتمالات, ورجّت رأسها تحاول نثر الظن الخبيث وإبعاده .. توارى رشيد بسرعة , فتابعت السير ..
وكأن على رأس المستشفى الطائرات , ساده سكون وترقب سقوط القذائف .. لم يفت بعض الممرضات تنميق مظهرهن , وتصحيح ما اختل من ماكياج .. بينما انشغل آخرون بإعادة ترتيب المحتويات .. لا أعرف سر سماجة لحظات الانتظار .. تصر دوما أن تجعل الدقائق دهرا عسير العبور .. نصف ساعة كانت كافية ليغير الجميع وضعياتهم عشرات المرات .. لم يخلصهم من الرتابة غير صرير فرامل سيارة توقفت على عجل .. فتحت جميع أبوابها , ولفظت دفعة واحدة رجالا ببدلات رسمية , يتقدمهم شاب بلباس مدني و شارب كث في إشارة للسلطة و الذكورة .. خطوات حادة حثيثة ونقر أعقاب يثير الرهبة , كأنهم فيلق عسكري في حالة استنفار .. ملامح صارمة .. ـ أين الطبيب الرئيس ؟؟ بنبرة وقحة تحوي الزهو بالسلطة والقمع , سأل رئيس الشرطة العيون الذاهلة .. تقدم منه البروفيسور برادة , وأخذه إلى مكتبه , دلف معهما اثنان آخران , وأوصدا الباب الذي انتصب أمامه الشرطيان المتبقيان ..
وبدأ السؤال ..
وكأنها المحكمة , يصيح أحد الشرطيين بأسماء العاملين بالمستشفى الواحد تلو الآخر .. تطول جلسات السؤال وتقصر حسب علاقة الأشخاص بعادل .. تغادر الوجوه غرفة التحقيق ذابلة كمن عبر للتّوّ الصراط , تزيد وفاء التي تأخر دورها فرَقا واضطرابا .. ورشيد دائما خارج حدود السؤال ..
ـ "الممرضة وفاء " هرعت المسكينة من مكانها مهرولة مهمهمة " هانا , واخّا , نْعام آسيدي " .. واجهها بعشرات الأسئلة , أربكتها .. ظلت في كل مراحلها تعتقد أنها الظنين .. كانت تجيب وتفيض في الجواب علّ السائل يرضى .. حدثته عن كل كبيرة وصغيرة .. عن زيارات عمه الطاهر المساري ,, تبسّم توددا كأن صاحب الاسم ماثل أمامه .. استوقفها عند ورود اسم رشيد , سألها عن صِفته بالمستشفى , وعلاقته بعادل وأشياء أخرى .. و أدركت من اهتمامه بالاسم أنها أوشت به .. وأن ما كان عليها ذكره .. وكأن الضابط وجد ضالته , خيط الجريمة .. اكتفى من السؤال وطلب إحضاره .. تردد اسم رشيد على كل القاعات والردهات والمراحيض .. هزت المستشفى هستيريا اسمها رشيد .. بينما كان الأخير على متن حافلة يسابق أذياله بعيدا عن شبح اسمه البوليس .. غادر رجال الشرطة المكان بعد أن جمعوا عنه ما يلزم من معلومات وصور .. ونشروا اسمه على الأقسام و الدوريات تحت عنوان مطلوب للعدالة ..
لم يكن الشارع أقل قسوة من ظروف حياة رشيد الذي لفظته بين يدي أم بائسة مزقتها مخالب الفاقة والجوع .. استلمتها أحضان الشوارع تقايضها اللقمة بالجسد الواهن .. ليكون رشيد ثمرة محاولات سد الرمق و البقاء على قيد الحياة .. في أول ليلة له , انهمرت السماء بسخاء .. ركن إلى مدخل عمارة مبللا يرتجف .. نال منه الجوع و الصقيع .. تحلق حوله مجموعة مدمنين , ثمالى يترنحون .. يتصايحون .. كمخلوق فضائي ينظرون إليه باستغراب وفضول .. ولمعرفة كيف يمشي هذا المخلوق , شرعوا يركلونه , يقودونه لوسط الشارع .. و كلما توقف عاودوا الركل .. والكائن الغريب يتلفت .. يبحث عمن ينقذه .. كانت الأمطار قد أخلت الشارع من المارة فلم يجد رشيد غير النط و القفز و محاولات الطيران للابتعاد , مما زادهم متعة وضحكا .. شيعوه إلى آخر الشارع وتركوه بعد أن أخذ منه الجهد والعياء مأخذا , ولم يعد يقوى عن الحركة , ما أثار نفورهم , فتخلوا عنه وهم متذمرين من انتهاء اللعبة ..
عاد رشيد إلى المستشفى في ساعة متأخرة من تلك الليلة , بعد أن أدرك بالتجربة ملائكية البوليس أمام بطش رواد الليل , سكان كوكب الأرض ..
علاقة رشيد بالبوليس تمتد جذورها إلى صباه .. حين اقترن مرادف الكلمة بالفرار .. صبي لصيق بأمه بالكاد يحسن الخطو , يتعقب في هلع خطواتها التي كانت تتسع لعبور شاحنة .. لايعي ما البوليس وفيم الفرار .. من هنالك لازمه رُهاب الكلمة , و ظل يتحاشاها إلى أن اقتحمت عليه عالمه ومستشفاه ..
ابتدره العيادي حارس أمن المستشفى الخاص : ـ رشيد!! ؟ أين كنت ؟؟ .. فتح له الباب دون أن ينتظر الجواب , ثم أوصده خلفه .. أحس رشيد بغرابة سلوكه .. التفت ليجده يقلب بيده إنارة خافتة , علم حينها أنه يتصل بالشرطة .. استقبلته وفاء التي كانت مناوبةً ليلتها بدموع الأسف ولم تجرؤ على إخباره أنها السبب , أخذته قرب المدفأة وجففت البلل , وقبل أن تنهي تغيير ملابسه ,كان الضابط المتعجرف قد امتثل , يقف أمامه .. ينتظر استلام صيده الثمين ..
غرفة ضيقة , تتوسطها طاولة وكرسيان .. مصباح يتدلى من السقف , يشوي الوجوه .. جدران موحشة دانية , تشد الخناق.. طلاء داكن مقزز , كلون البراز , يثيرالغثيان .. يتعاقب على رشيد أشخاص .. أشباح دون ملامح , يعتّم وهج المصباح الرؤية .. يقومون .. يقعدون .. يرتشفون القهوة .. يستعرضون الذكاء , والعضلات .. و الغباء .. يضربون الطاولة بقبضات من حديد .. يهددون .. يتوعدون .. منهم من حمل رشيد من ياقة قميصه وطوّح به في الفضاء .. التوتر في تصاعد .. أعمدة دخان السجائر تزكم المكان .. تصل الأرض بالسقف .. ورشيد على كلمة واحدة كأنها توحيد يجيب بلا .. ـ هل فعلت كذا ؟ .. "لا" ـ هل ...؟ .. "لا" ـ هل ... ؟ .. "لا" .. صارت عبارة "لا" تثير جنونهم .. والمراقبون خلف الزجاج , كمدربي فرق كرة القدم , يعدون البدلاء .. يغيرون .. كلما خرج محقق عن طوعه , استبدلوه بآخر , يبدأ استفساراته كغيره من جديد بليونة الملاك المتفهّم إلى أن تُحوّله لاءات رشيد إلى حيوان مسعور , يهم بنهش لحمه وما حوى المكان .. وأخيرا , انهار .. انهار رشيد وخر من الكرسي .. من عل فاقدا الوعي ..
تغير المكان وازداد شساعة .. و تغير الأشخاص ومنهم من شابه سكان كوكب الأرض .. رواد الليل الثمالى و المجرمون .. توقف السؤال , وتراوحت المسافات بين فتراته .. وصار رشيد يحمل بدل الاسم رقما وملابس يصرون على جعلها بنفس الألوان .. ظل السجين 14072 حريصا على فهم واستيعاب ما يجري حوله , محاولا لملمة فسيفساء الوقائع .. لكن , كان ينقصه منها الكثير ..
خلال هذه الأيام لم يفتر عادل عن السؤال عن أشياء وأشياء .. بدأت ذاكرته تفرز له ومضات وفلاشات افتقدها من تاريخه ..حافلة .. فوضى .. والداه .. إيطاليا.. بدأت يقظة الذاكرة تحرج الأطباء بالسؤال .. لم تسعفهم غير وفاء التي ظلت ملازمة له تدلل برفقتها المحنة وما عسر من لحظات .. لم تكن الأوضاع رحيمة به بما فيه الكفاية , ما زاد الصعوبة على وفاء التي كان عليها من جديد انتقاء وسيلة لتخبره أنه في طور الفقدان التام لبصره .. حارت كيف تخبره أن غياب الإنارة , وانقطاعاتها المتكررة , لم تكن سوى بداية عتمة أبدية .. وكأنه فطن لذلك , صار يغتنم كل قبسة نور عابرة , لينعم بآخر إطلالاته على عالم الأشياء والنور .. لم يكن شيء فيه أحب إلى قلبه من محياها .. صارت مع الأيام ملاكه الحارس .. وتسلل الظلام في هدوء إلى عالمه .. غمر الأماكن .. فغرق إلى الأبد في العتمة والسكون , وتوقفت ومضات النور عن زياراته ..
في سخاء غريب مفاجئ , شرع الطاهر المساري يغدق العطاء على المستشفى .. جدد العديد من آلياته وأدواته .. طلاء .. أسرة وعلاوات .. نصّب العيادي الذي أبلغ عن رشيد , حارسا خاصا لغرفة ابن أخيه عادل بعد أن أجزله العطاء على عملية التبليغ .. كره عادل هذا الأخير .. ضاق درعا بتطفله على خصوصياته .. باقتحامه لحظات سكونه وخلواته .. ومحاولات تحسيسه بحمايته .. سَمْجٌ , يتكلم في كل شيء .. أي شيء .. يرغم عادل على مجاراته على مضض ليختزل نهايات لثرثرته .. سِيَر .. أحداث .. ..مغامرات .. أشد ما كان يبغض فيه , تظاهره بمعرفة عالم الطب .. لا يفتأ يرطن بأسماء الأمراض والأدوية .. لم يجد عادل مهربا ولا عزاء غير وفاء التي تبدد بعذوبتها معاناته وتدمره .. يسكن لقربها .. وداعتها .. لا يفطن لنفسه إلا وقد شرع بدوره في إفراغ الأحاديث التي شحنه بها المذياع الآدمي .. تنصت له باهتمام لتأخذه إلى السكينة و الارتخاء .. فجأة أثارت كلمة عابرة شحنة صاعقة بجسد وفاء .. !!.. انتفضت بشكل روّع عادل وأثار الرعب بداخله ..
ـ وفاء .. ماذا هناك ؟؟
تركته .. سمع خطواتها تتجه بسرعة نحو الباب ..
ـ وفاء .. وفاء .. ما بك ؟؟ ماذا يجري ؟؟
وقبل أن تجيبه , سمع الباب يُغلق .. صمت للحظة .. أصاخ السمع .. عادت إليه تهمس له وقد شدت على ذراعيه بقوة وحرص , تود رجّه لشد انتباهه ..
ـ اِسمع عادل .. لقد ذكرت للتو دواء , كيف تعرفتَ على اسمه ؟ من الذي أطلعك عليه ؟
أخبرها أنه الحارس الخاص .. فطلبت منه ألا يكلم في شأنه أحدا , ثم غادرت مسرعة إلى مكتب الطبيب الرئيس , وتركت عادل تائها في حيرة أكثر شساعة من عتمته ..
خلال الساعة الخامسة مساء , دخل المستشفى شخصان ببدلات أنيقة تكاد تشم في جلدهما رائحة السلطة والبوليس .. أخذا معهما في صمت العيادي حارس أمن عادل الشخصي , وغادرا على الفور .. وفي نفس الليلة , وبالضبط حوالي الساعة الثالثة فجرا , عادا يتوسطهما العيادي .. الأصفاد بيديه , وأخذا شيئا ما من المستشفى ثم غادرا مسرعين ..
لم يكد النهار يتوسط حتى زار خبر القبض على العيادي مسامع الجميع .. وكأنما نشط الأطباء والممرضون من عقال , سرت موجة من السرور والارتياح بالمستشفى .. نزّت الفرحة من العيون .. سعى البعض لتهنئة عادل الذي بدا بدوره مسرورا لسبب آخر غير الذي يرومون .. ـ لقد انتقم الله لك و أخذ لك بثأرك .. لم يجهد عادل نفسه في البحث عن سياق لمعنى العبارات , بقدر ما كان سعيدا لخلاصه من ثرثرة العيادي .. فجأة تهاوى عليه جسد يعرف عبيره , وأخذه بالأحضان .. كانت وفاء تنتحب من الفرح و الحسرة .. بينما ظل عادل ساكنا لا يدري ما يناسب الحالة من كلمات ..
هناك بمخفر الشرطة حيث كان لرشيد شرف سبق الضيافة , اعترف العيادي بحقائق وزّعت المحققين بين الاستنكار و الذهول .. لم يستسغ أحد منهم أن يكون السيد الطاهر المساري المحرض على محاولة قتل عادل ابن أخيه .. وصلت للتو نتائج فحوصات المخبر الجنائي التي أثبتت أن القارورات المستدل عليها تحمل سما قاتلا .. لعبت الغيبوبة دورا حاسما في بقاء عادل على قيد الحياة .. حيث استعصى على العيادي دسّه عبر الفم ما جعله يدسه على شكل قطرات عبر العين .. لم يتجاوب الجسد الراكد آنذاك مع القطرات , بينما أصيبت العينان بالعمى ..
علم المساري بالخبر .. وكالأخطبوط, اخترقت أذرع ماله والنفوذ الأماكن و الجيوب .. لم تشرق شمس الغذ على مفرق العيادي حتى وُجِد جثة هامدة تجرعت , قبل أن تصل المحكمة, نفس السم من لدن خبير ..أحرج المسؤولين تطاول يده واختراقه قسم الشرطة.. اشتعلت حرب خفية ضروس بين ضباط القسم وحماة المساري لنزع الحصانة عنه وتقديمه للمحاكمة .. ولم يفلح منهم أحد .. فما كان المساري ليتوان في حماية ثروة طفق العمر يسرقها .. فوّت الشركات والعقار بالتوكيل .. ولو لم تسبقه يد المنية إلى أخيه السي عمر , لعجّل له بها .. لم ينغص صفوه غير ذو السبعة أرواح هذا الذي يأبى الموت .. منع البروفسور برادة دخول المساري المستشفى .. و فصل من اشتغل بوساطته ..
عاد رشيد إلى المستشفى بيته الوحيد ..احتفلت بعودته العيون دامعة بين الفرحة و الأسف .. كادت اللحظة تتحول مأتما .. تعقّب عادل في لهفة صوت زحفه , يتعثر .. انحنى عليه في مشهد حزين امتزج فيه العناق بالنحيب.. وكلمات بالكاد تنعثق مخنوقة يعوقها النشيج .. لم يقو الطبيب الرئيس على طمس غصة البكاء .. علقت العبرات بعينيه .. غادر يصون الكبرياء .. بينما أجهشت الإناث في موجة من البكاء غير مكثرتات ..
غادر عادل و رشيد المستشفى الذي بات غير آمن إلى بيت الوالدة الذي يجهله عمه .. فتح الباب , و دلف رشيد متسللا من بين قدميه يسابقه , يبحث عن الحمام للظفر بسبق الاستحمام .. انتبذ عادل متكئا ينتشي بموسيقى الـ ipod .. يجتر بين العتمة سنوات عالم النور .. كانت لا تزال مضاءة , تشع بين ثناياها الوجوه .. تملؤها ضحكات أخيه الصغير وشقاوته اللذيذة .. تسللت من عينيه دمعة تتفقد طريقها للخروج , تلاها نشيج رجّ صدره في سكون .. وضع كفه على حاجبيه ظلة يستر بها الدموع .. وكأن القدر يقتفي أثره , أثار سمعَه فجأة صوتُ مفتاح يحاول فتح الباب .. كتم عادل الأنفاس .. أرهف السمع .. ازدادت همة الفتح .. سُمع صرير الباب ينفتح .. وقعُ خطوات تتجه نحوه .. تقترب .. بلغت القلوب الحناجر .. بحذر سأل عادل : ـ مَن ؟؟ .. من هنا ؟؟ .. هرع رشيد إلى المكان , وما إن أطل حتى انطلقت صرخة أصمت الآذان .. شُلّت حركته .. ذَهِل وبهت .. لم يبق بوسعه فعل شيء .. سبق السيف العزل .. ارتمت وفاء على عادل ترتجف من الأخطبوط الذي ظهر فجأة بدون ملابس ممتد الأذرع .. كان رشيد عاريا تماما .. اختلط عليه الخجل بالهلع .. خرِس و فر هاربا يواري سوأته .. تعالت ضحكات عادل الذي لم يفلح في إخفاء سعادته من قبول وفاء عرضه بالزواج و انضمامها إلى عالمه .. وعلّق مازحا لتهدئة روعها أنه أخطبوط أليف لا يعض ..
ما لم يكن يعرفه رشيد أن عادل عرض في وقت سابق بالمستشفى الزواج على وفاء التي طلبت منه فسحة من الوقت للتفكير .. كان عليه آنذاك مغادرة المستشفى فسلّمها نسخة مفتاح البيت , واتفقا أن يكون قدومها إعلانا لقبول الزواج .. اعتلت وفاء حمرة الخجل ,بعد أن هدأ عنها الروع, زادتها توردا وجمالا , لم يكن لعادل حظ في مشاهدتها .. غادرت البيت مسرعة كمهرة تراقصها نشوة الدلال .. لم يُسمع لها غير صوت الباب الذي أوصدته خلفها على عجل .. علم رشيد بمغادرة وفاء , فعاد دون أن يستر أشياءه .. وعادت وفاء تطرق الباب دون أن تتجرأ على فتحه من جديد .. وقبل أن يفتحا لها , نمّق عادل من مظهره , و حمل رشيدا لمستوى العين السحرية .. أطل الأخير.. صعق وقال : ـ إنه المساري !! رفقة شخصين !!؟ ..
الليل يرخي سدوله ...والنوم يغالب الجفون.........وأنا أقرأ النص الشيق الذي أبدعته ؛ طويل بعض الشيء ؛ كان من الممكن اختزاله ليتحول الى قصة دفاترية...أجمل ما أثارني اللغة المحبوكة بفنية عالية ؛ أما الموضوع فحقيقة هو شبيه بالقصص البوليسية التي تتنقل بين تنوع الشخصيات و الامكنة ..
دمت مبدعا بارعا.
الليل يرخي سدوله ...والنوم يغالب الجفون.........وأنا أقرأ النص الشيق الذي أبدعته ؛ طويل بعض الشيء ؛ كان من الممكن اختزاله ليتحول الى قصة دفاترية...أجمل ما أثارني اللغة المحبوكة بفنية عالية ؛ أما الموضوع فحقيقة هو شبيه بالقصص البوليسية التي تتنقل بين تنوع الشخصيات و الامكنة ..
دمت مبدعا بارعا.
[quote=أم ايمان;684562]قصة شيقة...........اسلوب اخاذ ...........
قصص بهذا الاسلوب يجب ان تكون اطول .....حتى نستمتع بالقراءة و الاحداث اكثر
موفق كعادتك[/quot
تحية طيبة الأخت أم ايمان ..
كانت النية في البداية كتابة قصة أقصر عن أعمى ومقعد, لكن حرصي على تحاشي الشبه بين القصص و الأفلام التي تناولت علاقة مشابهة كفيلم " الصداقة dosti" وغيره جعلني أتحول إلى أحداث جعلت تسحبني بقوة وتمرد نحو الإطالة , لكنني لم أكن مستعدا , رغم توارد الأفكار , وخشيت أن أتورط في دروب ودهاليز , لاأملك الوقت للتجوال عبرها ..وقد كابدت في شد حصان الأحداث الجامح حتى لا أضطر للهث خلفه . لهذا جاءت (القصة) قصيرة تحمل على ظهرها حقيبة السفر الطويل ..