سيارة جاري كان الله في عونه.
من بعد صلاة الفجر مباشرة ، يتوجه جاري إلى سيارته المهترئة الجاثمة أمام المنزل...
يزيل عنها الغطاء البلاستيكي بحنان زائد ، كأنما يكشف عن وجه إحدى بناته.
يدور حولها مرة أو مرتين يتفقد جوانبها الصدئة بحثا عن خدوش جديدة أحدثها أطفال الحي في غيبته...يطل باجلال تحتها ...يركل عجلاتها برجله...يمسح ثم يمسح.
يفرك يديه بقوة وينفخ فيهما طاردا برودة الصباح وما علق بهما من قطرات الندى.
في طقوس صباحية متناهية الرتابة يفتح بابها الايسر ويرتمي أمام عجلة القيادة مرددا : ( ...يا... بسم الله .)
يدير المفتاح ... تشخر شخرتين ثم تسكت.
يعيد المحاولة الثانية وهو يتمتم

...يا الله .....يا الله .)
تشخر وتشخر ثم تسكت.
ينزل... يرفع غطاء المحرك... يحرك قابسات البطارية... يتفقد هنا وهناك بمبراغه الاحمر.
يرجع الى الخلف يضرب العادم برجله ، ثم يعود.
يدير المفتاح من جديد...
...
...
بدأت أدرك أنه بعد المحاولات الفاشلة علي الاستعداد لجرية صباحية لم تكن في الحسبان .
ارتديت بذلتي ، وانتعلت حذائي الرياضي ...
ولأجنب جاري الاحراج نزلت قبل أن يطرق الباب طرقات واهنة خوفا من فضيحة أخرى بين ساكنة الحي .
أسلم عليه بينما يحاول التخفيف من هول الموقف يحرك القابسات من جديد...وهو ينشد على مسامعي : "شوف هاد المخلوقة شحال صبرت.."
أهز رأسي بالايجاب مسايرا له في نفس الايقاع .
يغلق باب المحرك بقوة مرددا :" ...مابقاش تلقى الحديد لاصيان..."
أستبق الموقف وأرجع الى خلف السيارة الملعونة... لحسن حظي تتجه نحو منحدر يسهل علي دفعها لوحدي .
تشخر ...وتشخر...ثم تنفث دخانها الاسود في وجهي وتنطلق كأنها تحاول الاقلاع.
لا يجد جاري فرصة للتلويح لي بيده شاكرا قبل أن يصطدم بعمود الكهرباء.
..
...
الثامنة الا ربعا .
اختفى دون أن يلتفت.
تنادي زوجته من النافذة : " ...الفطور آآآآ سيدي حميد."
أغلقت الباب من خلفي وانا أكتم قهقهتي.
امضاء عزيز.