مقال طريف جداـ بفلم عبد العزيز الرماني: راسب في الباكالوريا
دفاتر مقالات الرأي والتقارير الصحفية التربويةهنا نرتب أهم وآخر مقالات الرأي والتقارير الصحفية الواردة بالصحافة الوطنية والمتعلقة بموضوع التربية والتعليم
مقال طريف جداـ بفلم عبد العزيز الرماني: راسب في الباكالوريا
هبة بريس : 04/12/2014 :::::::::: بأسلوب يجمع بين الطرافة والبساطة وخفة الظل وبين عمق المعنى والأبعاد، يلتقي الأستاذ الإعلامي والباحث في الاقتصاد الاجتماعي عبد العزيز الرماني قراء "هبة بريس" الكرام كل إثنين وخميس، ليطرح موقفا من مواقف السياسة والاقتصاد والمجتمع
راسب في الباكالوريا
بقلم عبد العزيز الرماني
كتب لي صديق عمل سابقا مسؤولا مركزيا في وزارة التربية الوطنية يحكي أنه في أواسط الثمانينات جاءه تلميذ من إحدى مدن الجنوب يحمل تحت إبطه ظرفا كبيرا خبأ فيه طلبا يلتمس فيه منحه نسخة ثانية من شهادة الباكالوريا لأنه أضاع النسخة الأصلية.
ونظرا للإجرءات الاحترازية التي كانت تقوم بها الوزارة لتفادي التزوير فقد طلب المسؤول المركزي من التلميذ التصريح عند الشرطة بضياع النسخة الأصلية، لكن التلميذ قاطعه قائلا: "والله لم أضيعها، فقد كنت حريصا عليها أكثر من حرصي على حياتي، لكن تيس جارنا تسلل إلى غرفتي، وبعثر حاجياتي، والتهم الشهادة بالكامل، وقد ذهبت إلى المندوبية في الإقليم فأحالتني على الوزارة".
رق قلب المسؤول المركزي لحال هذا التلميذ الذي بدا من ملامحه أنه شديد الفقر وانه عانى الأمرين لينتقل إلى الرباط من أجل هذا الغرض. فحمل قلمه وكتب ملتمسا إلى السيد الوزير يحيطه فيه علما بحيثيات القضية ويستعطفه التأشير على إجراء روتيني بتزويد هذا التلميذ نسخة ثانية من شهادة الباكالوريا. وطلب من التلميذ العودة إلى محله، ومراجعة المندوبية بعد أسبوعين لاسترجاع الشهادة.
لكن الوزير حمل الأمر على محمل الجد، واستدعى المسؤول المركزي إلى مكتبه بعد يومين من كتابة الطلب، وسأله غاضبا "هل حققت أنت مع التيس لتعرف منه حقيقة الأمر؟ هذه أمور جدية لا تتحمل المزاح؟حولوا القضية إن شئتم إلى شهادة ضاعت من صاحبها وسلموه نسخة ثانية او حولوا التيس الجاني إلى التحقيق وبعدها كاتبوني في الأمر".
وحكى لي المسرحي المتميز عبد الحق الزروالي أن تلميذا ينحدر من إحدى قرى وسط المغرب حين رسب في الباكالوريا عاد إلى منزل والديه يحمل شهادة الرسوب، وكذب على أبويه مطالبا منهم مباركة نجاحه.
فرح أهل الدوار جميعا بنجاح ابن بلدتهم في شهادة كان يحسب لها ألف حساب في سنوات السبعينيات، فأقاموا الأفراح والولائم أسبوعا كاملا.ولم يندم التلميذ على كذبته إذ لا أحد سيعلم بأمره لاحقا، خاصة وأن أهل القرية لا يعرفون الكتابة والقراءة. أما هو، فسيغادر البلدة بعد نهاية العطلة ويستمر في دراسته في مدينة تبعد بحوالي 100 كلم عن قريته.
لكن فرحة الأب كانت كبيرة بحيث طلب من ابنه الشهادة ليحملها إلى السوق الأسبوعي كي يصنع لها إطارا خشبيا بواجهة زجاجية، ويعلقها في حانوته اعتزازا وافتخارا أمام أهل البلدة.
مرت السنين وحاز الابن على الإجازة في القانون، وأصبح محاميا في إحدى المدن القريبة من قريته. ولكن الأب ظل يحتفظ بتلك الشهادة معلقة على الجدار، وقد كتب عليها بخط عريض: التلميذ عزالدين ...، راسب في الباكالوريا.
في هذه الفترة بالذات وفي الثمانينات أيضا، كان حزب البعث العراقي يوزع على العالم العربي كثيرا من الجرائد والمجلات تحمل في طيها إيديولوجية الحزب ورسالته.وقد كنا ونحن تلاميذ مولعين بقراءة هذه المطبوعات لرخص ثمنها وجودة طباعتها وكثرة معارفها. ولعل العديد من أقراني يذكرون "الموسوعة الصغيرة" وهي مجلة كنا نشتريها بدرهم واحد، وجريدة "العدالة" بعشرين سنتيما، ومجلة "البعث" بدرهم ونصف وغيرها كثير.
وبكرم حاتمي كان هذا الحزب يوزع على الدول العربية الفقيرة عشرات الآلاف من الجرائد بالمجان، فكان الناس في تلك البلدان يقرؤون بعضها ويستخدمون البعض الآخر للتلفيف في متاجرهم، ولكثرة هذه المطبوعات فقد أصبحت مهملة في كل مكان فوجدت فيها الخرفان غذاء سائغا تلتهمه منه ما تشاء وقت ما تشاء.
وهكذا أصبحت الأغنام مولعة بأكل صفحات الجرائد العراقية، فغذا سكان هذه البلدان يتندرون بنكت كثيرة أشهرها قولهم أن غثاء الماشية تحول ليصبح بااااااعث ..عوض بااااع.
وجاء في مذكرات الشاعر البارودي أنه في أثناء استقبال إمبراطور ألمانيا غيوم الثاني عام 1898م في دمشق, استلفت نظر زوجته حمار أبيض فأعجبت به وطلبت أن تحمله معها ذكرى إلى بلادها.
استدعى الوالي صاحب الحمار وكان يدعى "أبا الخير أغا"، وكان يفاخر دائما بأن له حبيبين في الحياة هما الحمار الأبيض وحفيده حسني. ولذا فحين طلب منه الوالي بيعه الحمار بأي ثمن أراد، أصر على رفضه. ولما اشتد الوالي في الإلحاح , أجابه أبو الخير : يا أفندينا , إن لدي ستة رؤوس من الخيل الجياد , إن شئت قدمتها كلها للإمبراطورة هدية مني بدون مقابل، أما الحمار فإذا أخذوه إلى بلادهم فستكتب جرائد الدنيا عنه , ويصبح الحمار الشامي موضع نكتة وربما سخرية , فيقول الناس , إن إمبراطورة ألمانيا لم تجد في دمشق ما يعجبها غير الحمار.