للفضاء دور كبير في تثبيت دعائم التعلمات المبنية على استراتيجيات الجودة والمؤسسة على أصول التهيئة الأمنية والنفسية للتلميذ، الذي غالبا ما يطمح لتلقي تعلماته في إطار من الهدوء والطمأنينة. وليس المقصود بالفضاء هنا، الأقسام أو الحجرات أو أجنحة المدرسة أو المختبرات أو ملاعب الرياضة، بل المقصود به كل هذه الأشياء مجتمعة، في تناسق هندسي يعطي الانطباع للتلاميذ أنهم فعلا في مؤسسة تربوية. فكم من مؤسسة تفتقر إلى التناسق في هندستها المعمارية، الشيء الذي يخلق لدى التلميذ نفورا على مستوى جمالية الألفة . إن الألفة التي تعني نوعا من التعاقد النفسي بين التلميذ ومؤسسته، كفيلة بخلق التوازن النفسي المطلوب، بحيث يقبل التلاميذ على دراستهم في جو من العطاء والبذل، ماداموا في فضاء يتيح لهم الانفتاح أكثر على المدرسة والمدرسين. لكن عندما لا يألف التلاميذ فضاءهم التربوي لا يستطيعون الإنتاج كما هو مطلوب منهم، فتضيع منهم فرصة التعلم المنتج.
الاكتظاظ
إن من عوامل انتفاء الألفة التربوية، وجود الاكتظاظ داخل قاعات الدروس، فالاكتظاظ يسبب عرقلة هامة لسير الدروس بما ينتجه من حالات فوضى عارمة في القاعات، مما يؤدي إلى اضطراب التحصيل نتيجة المشادات بين التلاميذ والأستاذ من جهة، أو بين التلاميذ أنفسهم. إن الاكتظاظ يعني العرقلة الفعلية للتحصيل والتعليم، بحيث نكاد نجزم أنه لا يمكن الحديث عن سلامة تربوية في ظل تشنج التلاميذ، بسبب وجودهم في زحمة بشرية تؤدي إلى ضياع التحصيل وبروز التعنيف كرد فعل ضد الازدحام المعرقل للتحصيل.
اهتراء البنية التحتية
إن اهتراء البنية التحتية للمؤسسة يعني اهتراء الأخلاق، وضعف القناعات بضرورة الحفاظ على المدرسة كمؤسسة نتلقى فيها القيم والمبادئ السمحاء، فمن العلامات الدالة على أن التلميذ تشبع بالقيم والمبادئ، محافظته على المعدات البيداغوجية بمؤسسته، لكن وجود الاهتراء الملحوظ بالعين المجردة لا يمكن أن يعني سوى وجود نوع من العنف الرمزي، الذي يومئ إلى تحطيم السلطة التربوية من خلال آلياتها وموجوداتها.
إن التلميذ المغربي يجنح إلى التحطيم الشامل للمعدات البيداغوحية لمؤسسته، عندما يستشعر فقدان الآمان التربوي الذي من المفروض أن يحس به في تعامله مع الأستاذ والإدارة التربوية، ناهيك عن زملائه. لكن مع نمو الشعور بالدونية نتيجة ما يعتبره مساسا بكرامته في خصم نقطة، أو أي إجراء إداري في حقه، سيكون كفيلا بدفعه إلى ممارسة هذا العنف الرمزي ضد المؤسسة، من خلال تكسير المعدّات، أو تحطيم الأبواب والنوافذ والطاولات، إن هذا العنف المعلن لا يقل أهمية وخطورة عن العنف المادي المتبادل بين الأفراد. إنه العنف الرمزي الذي يولّد العنف المادي المباشر بين التلاميذ، ولنا أن نتخيّل إطارا من التعلمات تنجز في ظروف غير ملائمة من الناحية اللوجستيكية والتنظيمية، وفي شيوع مظاهر المتلاشيات بالمؤسسة، ووجود قاعات للدروس متداعية النوافذ والأبواب والسبورات، إذ إن وضعية كهذه كفيلة بخلق التوتر والقلق ليس فقط بين التلاميذ، بل بينهم وبين الأساتذة والإدارة التربوية أيضا.
غياب أنشطة موازية
غالبا ما تكون الأنشطة الموازية بالمؤسسة مدعاة لتفريغ طاقات التلميذ الإبداعية والثقافية، فهي فرصة سانحة لتحقيق مواهبه على أرض الواقع، ولتحقيق ذاته أمام زملائه وأساتذته، لكن المؤسسة التي لا تفعّل الحياة المدرسية ضمن البرنامج السنوي العام للأنشطة الموازية، تقف عاجزة أمام استيعاب تدفق حركية التلاميذ، وأنشطتهم المنسجمة مع طاقاتهم النفسية والوجدانية، خصوصا وهم في عُمر يعرف دينامية حركية دؤوبة على المستوى الجسدي، وأيضا على المستوى النفسي والعاطفي. في هذا السياق تعتبر الأنشطة الموازية التي تقوم بها المؤسسة على هامش التعلمات الرسمية، فرصة سانحة للتلاميذ لصرف أنظارهم عن المعيقات الذاتية والبيداغوجية، التي يتخبّطون فيها، بل إن هذه الأنشطة قد تكون في الأغلب الأعم بمثابة الوسيلة الأنجع في معالجة تعثراتهم الدراسية.
غياب مكتبة بالمؤسسة
من سلبيات التدبير العشوائي للمؤسسات التعليمية بالمغرب، وجود مدارس بدون مكتبات تحوي الكتب التي تعمّق معارف التلميذ وتحصيله التربوي، ولسنا في حاجة إلى التذكير بأهمية وجود المكتبة كقيمة نوعية مضافة في فضاء التمدرس، بحيث تسهم في توسيع مدارك التلميذ ومعارفه، ناهيك عن كونها وسيلة قيّمة في الحد من العنف المدرسي. وقد يتساءل البعض عن علاقة المكتبة بظاهرة العنف، وكيف يمكنها أن تحدّ من تنامي سلوكات العدوان بين التلميذ، لكن الإجابة عن هذا السؤال تبدو بديهية بالنسبة إلى المنظور التدبيري، الذي يرى أن المكتبة ليست فضاء مكانيا جامدا أو سلبيا بقدر ما هي فضاء لاستجماع قوى التلميذ العقلية والنفسية والوجدانية، وتركيزها على أسس عقلانية تدرك أن الفعل التعليمي هو حصيلة تفاعل بين كل المرافق البيداغوجية وعلى رأسها المكتبة.
إن المكتبة مرفق بيداغوجيّ هام، وعندما نقول مرفق بيداغوجيّ فإننا نحسم في كونها مجرد مكان لوضع الكتب على الرفوف، مكان تنبعث منه رائحة رطوبة الكتب الصفراء التي غالبا ما تكون غير منسجمة ومتطلبات اللحظة المعرفية والتربوية. إن المكتبة تتحول إلى أداة للحد من ظاهرة العنف فقط، عندما تتحول إلى مكان يستوعب فراغ التلاميذ ويحد من غلوائهم عند خروجهم من المؤسسة، بسبب غياب أستاذ، أو وجود فراغات في استعمالات حصصهم الدراسية، يمكن أن نقول إن غياب التجهيزات الضرورية بالمؤسسة المغربية هو في حد ذاته مؤشر على وجود البوادر الجنينية الأساسية لوجود العنف المدرسي، لهذا فإن من أولويات الحد من هذه الظاهرة التفكير الجدّي في توفير هذه التجهيزات لضمان تعلمات في المستوى المطلوب.