اكتظاظ التلاميذ يحول الأقسام الدراسية إلى "أسواق بشرية"
محمد الراجي
السبت 01 أكتوبر 2016
انطلقت السنةُ الدراسية الحالية على وقع شكاوى غير مسبوقة من الاكتظاظ في أقسام مدارس التعليم العمومي. وقد وصل الاكتظاظ في بعض الأقسام إلى أزيد من سبعين تلميذا في القسم الواحد، في حين أنّ المعايير الدولية لجودة التعليم تضع معدل 18 تلميذا في القسم الواحد.
أحد المدرّسين في مدينة الدار البيضاء لم يجد وسيلة للتعبير عن احتجاجه على الاكتظاظ الشديد داخل الفصل الذي يدرّس فيه سوى اللجوء إلى بث مشاهد من داخل القسم على موقع يوتيوب، مع التعليق على الوضع، مشيرا إلى أنّه يستحيل أن يؤدّي مهمّته الموكولة إليه في قسم دراسي أشبه بسوق.
ظاهرة الاكتظاظ في مدارس التعليم العمومي، حسب مصطفى لمودن، أستاذ التعليم الابتدائي، انطلقت منذ بضْع سنوات؛ لكنها استفحلت خلال السنة الدراسية الحالية. وعزا الإطار التربوي تزايد الاكتظاظ إلى النقص في الأساتذة الناجم عن وصول عدد منهم إلى سن التقاعد، وآخرون غادروا العمل وفضّلوا التقاعد النسبي خوفا من تبعات شروط التقاعد الجديدة.
وانطلق الموسم الدراسي هذه السنة على إيقاع خصاص كبير في عدد الأساتذة، بلغ 16172 أستاذة وأستاذا؛ 9472 منهم أحيلوا على التقاعد الكامل، فيما فضّل 6700 منهم الاستفادة من التقاعد النسبي، بعد أن قضّوا ثلاثين سنة من العمل داخل فصول المدارس العمومية، حسب الأرقام الرسمية التي أعلنتها وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني.
ولم يكن النقص الحادّ في عدد الأساتذة هو السببَ الوحيد لظاهرة الاكتظاظ في المدارس العمومية؛ بل إن ثمّة أسبابا أخرى تتعلق، أساسا، بعدم إضافة مؤسسات تعليمية كافية، لاستيعاب الأعداد المتزايدة للتلاميذ سنة بعد أخرى، وعدم إصلاح أخرى ووضع حجرات دراسية بها. هذا الوضع جعل لمودن يخلص إلى أنّ المدرسة العمومية لا تتوفّر على مواصفات حقيقية في الغالب الأعمّ.
وبلغ عدد التلاميذ الذين التحقوا بفصول الدراسة، في القطاعين العام والخاص، برسم الموسم الدراسي الحالي، 6.951.351 تلميذة وتلميذا، في المستويات التعليمية الثلاثة؛ منهم 702.334 التحقوا لأول مرة بالتعليم الابتدائي، حيث استأثرت المدرسة العمومية بحصة الأسد بـ561.606، حسب أرقام وزارة التربية الوطنية.
ويطرح نقص الأساتذة وعدم إنشاء مدارس جديدة مشكلا حقيقيا دفع هيئات ومدرّسين وآباء تلاميذ إلى الاحتجاج مع انطلاق الموسم الدراسي الحالي.
وإذا كان الواقع الراهن للمدرسة العمومية يعيش هذا الوضع، فإنّ مصطفى لمودن يتوقع أن يتردى مستوى التعليم العمومي مستقبلا؛ ففضلا عن ضعف العرض الذي تقدمه الدولة وتناقصه باستمرار، "هناك كذلك رغبة رسمية للتقليل من التوظيف". ويوضح المتحدث: "هذه السنة جرى تشغيل 7 آلاف مدرس ومدرسة فقط في جميع الأسلاك التعليمية. كما برزت، مؤخرا، ظاهرة مقلقة وهي بيع مؤسسات تعليمية قديمة موجودة في مراكز المدن الكبرى؛ وهو ما أرغم الأسر على تحويل أبنائها إلى القطاع الخاص".
وانطلاقا من تجربته العملية الممتدة لسنوات طويلة، يرى لمودن أنّ الضحية الأولى للاكتظاظ داخل المؤسسات التعليمية هو التلميذ؛ ذلك أنه لا يستوفي كل حاجته من العناية والتدريس والمراقبة والتقويم والدعم.. ومن ثم، لا يتوصل بما ينتظر من التعليم.
وتطال المعاناة أيضا المدرسين، "الذين يجدون أنفسهم في ظل هذه الشروط في وضع صعب، حيث يعجزون عن تطبيق البرنامج ومراعاة المناهج المعتمدة"، يشرح لمودن، مضيفا "الأستاذ يجد نفسه أمام "سوق" وليس قسما للتلاميذ، بحيث حتى الهواء الكافي لا يتوفر في الحجرات المكتظة، وهذا ما يؤثر على العلاقة التي يفترض أن تقوم بين المدرس(ة) والتلميذ(ة). وتكون لذلك الوضع تبعات على رؤية الأسر للمدرسة العمومية، حيث تتحول إلى شكل سلبي بالتمام".
وخلُص المتحدث إلى أن الوضعية الحالية للتعليم العمومية "تطلعنا أمام معضلة حقيقية تهدد مستقبل المغرب"، مضيفا "نحن أمام ظروف لا تتيح للتلاميذ نيل كفاياتهم ولا تحصيل تعليمهم كما يجب؛ وهو الأمر الذي سيؤثر سلبا على تعليمهم العالي إذا ما استطاعوا الوصول إليه، كما يؤثر على مردوديتهم الإبداعية وعلى اندماجهم في المجتمع والشغل".
وفيما لا تزال الدولة تبحث عن حلول لوضعية التعليم المتأزمة، وتضع خططا وبرامج وإستراتيجيات، وآخرها الرؤية الإستراتيجية للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (2015-2016)؛ قال لمودن إنه "لا يمكن الإبقاء على الوضع كما هو عليه، بل يجب إشراك الجميع في همّ المدرسة العمومية، وتوفير الموارد الكافية لها، وجعلها جذابة مشرقة تساير طموح الأفراد والمجتمع، ولن يتأتى ذلك سوى بتوفير شروط الجودة الكافية". === هسبريس