الحكومة والنقابات وسط اتهامات بتجميد الحوار الاجتماعي
الحكومة والنقابات وسط اتهامات بتجميد الحوار الاجتماعي
21 يناير 2026
عاد ملف إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب إلى صدارة النقاش العمومي، في ظل تصاعد التوتر بين الحكومة والمركزيات النقابية، وعلى رأسها الاتحاد المغربي للشغل، الذي جدد موقفه الرافض لاعتماد مقاربة مقياسية ومحاسباتية في تدبير هذا الورش الاجتماعي الحساس، معتبرا أن أي إصلاح لا يستحضر البعد الاجتماعي والحقوقي للطبقة العاملة يظل فاقدا للمشروعية ومهددا للسلم الاجتماعي.
وفي هذا السياق، أعلنت الأمانة الوطنية لنقابة الاتحاد المغربي للشغل رفضها الصريح لما وصفته بالنهج الحكومي الأحادي في التعامل مع ملف إصلاح أنظمة التقاعد، مستنكرة ما اعتبرته تعطيلًا متعمدًا للحوار الاجتماعي وعدم وفاء الحكومة بالتزاماتها السابقة، وعلى رأسها عقد جولة شتنبر 2025 من الحوار الاجتماعي المركزي.
وجاء هذا الموقف خلال اجتماع للأمانة العامة للنقابة، عبّرت فيه عن قلقها من تجميد قنوات التفاوض، وما ترتب عن ذلك من دخول اجتماعي وُصف بغير ذي مضمون ومخيّب لآمال وانتظارات الشغيلة المغربية.
وأدانت النقابة ما سمّته بالتخاذل الحكومي في تدبير الحوار الاجتماعي، معتبرة أن تغييب التشاور الجاد والمسؤول حول الملفات الاجتماعية الكبرى، وفي مقدمتها التقاعد، يعكس غياب رؤية تشاركية حقيقية، ويعمق منسوب الاحتقان داخل الأوساط العمالية.
وفي هذا الإطار، جدّد الاتحاد المغربي للشغل تشبثه بمطالبه الاجتماعية الأساسية، وفي مقدمتها الزيادة العامة في الأجور والرفع من الحد الأدنى للأجور، وتحسين معاشات التقاعد، ومواصلة التخفيض الضريبي على الأجور، إلى جانب الزيادة في التعويضات العائلية المخصصة للأطفال.
كما ثمنت النقابة ترافعات ممثليها داخل اللجنة التقنية المكلفة بملف التقاعد، مشددة على رفضها المطلق لكل القرارات ذات الطابع المحاسباتي الصرف، ولكل المقاربات المقياسية التي ترى أنها تُحمّل الأجراء والمتقاعدين كلفة اختلالات بنيوية لم يكونوا سببا فيها.
وأكدت في المقابل تشبثها بالدفاع عن الحقوق والمكتسبات الاجتماعية، ورفض أي تراجع عنها تحت ذريعة التوازنات المالية أو الضغوط الديمغرافية.
ويأتي هذا التصعيد النقابي في وقت يشهد فيه ملف التقاعد عودة قوية إلى واجهة النقاش العمومي، على خلفية تحذيرات متزايدة من اختلالات بنيوية تهدد استدامة الصناديق وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المتقاعدين الحاليين والمستقبليين.
وتؤكد معطيات رسمية وتقارير رقابية أن بعض أنظمة التقاعد تسجل عجزا تقنيا متناميا وتآكلا في احتياطاتها المالية، ما يطرح بإلحاح ضرورة إصلاح هيكلي يتجاوز الحلول الظرفية والترقيعية.
ويتقاطع هذا النقاش مع ظرفية اجتماعية واقتصادية دقيقة، تتسم بارتفاع كلفة المعيشة وتزايد الضغوط على المالية العمومية، الأمر الذي يجعل إصلاح أنظمة التقاعد من أكثر الأوراش تعقيدا وحساسية ضمن الأجندة الحكومية.
كما يتزامن مع مطالب متجددة من المركزيات النقابية وفعاليات برلمانية ومكونات من المجتمع المدني، تدعو إلى التعجيل بإصلاح شامل وعادل يضمن ديمومة الأنظمة دون المساس بحقوق المنخرطين أو تقويض المكتسبات الاجتماعية المتراكمة.
وفي هذا السياق، كانت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، قد انتقدت قبل أسابيع، خلال جلسة للأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، ما وصفته بلغة التخويف والتضخيم التي تعتمدها بعض المركزيات النقابية في توصيف وضعية أنظمة التقاعد.
وشددت المسؤولة الحكومية على أن واقع هذه الصناديق بلغ مرحلة دقيقة لم يعد من المقبول معها الاستمرار في المزايدات السياسية أو إنكار وجود أزمة حقيقية تهدد استمراريتها.
وأكدت الوزيرة أن الحكومة تتوفر على الإرادة السياسية اللازمة لمباشرة هذا الورش، مبرزة أن آخر جولة من الحوار الاجتماعي المركزي أفضت إلى توافق مبدئي بين مختلف الشركاء الاجتماعيين حول ضرورة تحمل المسؤولية الجماعية في إصلاح أنظمة التقاعد.
وأوضحت أن رئيس الحكومة أعاد تفعيل اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد بعد سنوات من الجمود، مع تفويض الاشتغال التقني للجنة مختصة تضم ممثلين عن الحكومة والنقابات ومختلف المتدخلين.
وشددت فتاح على أن أي حل مرتقب لن يُفرض بشكل أحادي، مؤكدة التزام رئيس الحكومة بعدم اتخاذ أي قرار يهم صناديق التقاعد دون توافق واسع بين الفرقاء الاجتماعيين، بالنظر إلى أن هذا الملف يمس بشكل مباشر حقوق ومصالح ما يقارب خمسة ملايين مواطن مغربي.
كما اعتبرت أن النقاش حول استدامة هذه الصناديق ينبغي أن يتم بعيدًا عن التهويل، مع الاعتماد على معطيات دقيقة وتشخيص موضوعي لكل نظام على حدة.
وفي الإطار نفسه، كشفت الوزيرة عن شروع لجنة تقنية في عقد اجتماعات منتظمة بحضور ممثلي النقابات، لدراسة وضعية كل صندوق تقاعد بشكل مفصل، استنادًا إلى أرقام ومعطيات شفافة يقدمها المديرون العامون لهذه الصناديق.
واعتبرت أن هذه اللقاءات من شأنها توفير صورة واضحة عن الوضع المالي والتقني لكل نظام، وتوجيه مسار الإصلاح على أسس واقعية ومتوازنة.
غير أن هذه التوضيحات الحكومية لم تُنهِ الجدل داخل المؤسسة التشريعية، حيث واجهت المعارضة الحكومة بانتقادات مباشرة، معتبرين أن الخطاب الرسمي يوحي إما بغياب رؤية واضحة لإصلاح أنظمة التقاعد، أو بوجود تصور صادم يتم تجنب الكشف عنه للرأي العام.
وطالب بعضهم الحكومة بتوضيح خياراتها بشكل صريح، والتأكيد على ما إذا كانت ستعيد اعتماد نفس المقاربات التي طُبقت في إصلاحات سابقة، والتي شملت رفع سن التقاعد وتعديل سنوات الاشتراك ونسب الاقتطاع.
وبين إصرار الحكومة على حتمية الإصلاح، وتمسك النقابات بضرورة ضمان العدالة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية للأجراء والمتقاعدين، يبدو أن ملف إصلاح أنظمة التقاعد مرشح لمزيد من التجاذب خلال الأشهر المقبلة.