حوار.. هودى لمخلخل: نظام التقاعد الحالي يقوم على "تمييز فئوي" والحد الأدنى للمعاش يجب أن يرتفع
حوار.. هودى لمخلخل: نظام التقاعد الحالي يقوم على "تمييز فئوي" والحد الأدنى للمعاش يجب أن يرتفع
الثلاثاء 10 مارس 2026
أجرى الحوار - يونس ساوري
لم يعد هم الموظف أو الأجير اليوم مقتصرا على تدبير لقمة العيش وتأمين ضرورات الحياة، بل بات القلق يلاحقه كلما استحضر ما ينتظره في "خريف العمر"، في ظل تسارع وتيرة التضخم ولهيب الأسعار، ومع تزايد التكاليف الصحية المرافقة للتقدم في السن، يبرز هاجس استدامة صناديق التقاعد كعبء ثقيل يغذي الحيرة حيال الجدل المتكرر حول اختلالاتها المالية، ومدى قدرتها على الصمود أمام استنزاف مواردها.
وبين المخاوف من "إفلاس الصناديق" وواقع المعاشات، يجد قطاع واسع من المتقاعدين أنفسهم أمام مداخيل محدودة لا تقوى على مواجهة متطلبات عيش كريم يحفظ كرامتهم بعد عقود من العطاء والعمل، ومع استمرار هذا الغموض، يتنامى الإحساس بأن الاستقرار المادي والاجتماعي بعد مغادرة العمل لا يزال طموحا صعب المنال، ما يضع ملف الحماية الاجتماعية أمام تساؤلات حارقة حول العدالة والإنصاف.
لتحليل هذه التعقيدات، يستضيف "تيلكيل عربي" الدكتورة هودى لمخلخل، المتخصصة في قضايا الحماية الاجتماعية والحاصلة على الدكتوراه في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط - كلية السويسي.
الضيفة واكبت هذا الملف بأبحاث نشرت في مجلات كـ "المنارة" و"المجلة المغربية للإدارة المحلية"، تناولت فيها جوهر إصلاح الضمان الاجتماعي، وأثر المغادرة الطوعية، وصولا إلى الإصلاح المقياسي للتقاعد لعام 2024، مكرسة رؤيتها لتحويل الحماية الاجتماعية من مجرد "امتياز" إلى "حق" إنساني وقانوني.
نص الحوار:
هل ترون أن مستوى المعاشات في المغرب اليوم يضمن للمتقاعدين عيشا كريما يحفظ كرامتهم واستقلاليتهم، أم أن جزءا مهما منهم يعيش على هامش الكفاية الاقتصادية؟
للإجابة على واقع نظام المعاشات، يجب أولا الانطلاق من المقاربة التي ينبني عليها نظام التقاعد، فهل ينظر إليه كسياسة من شأنها توفير حماية للجميع وخاصة الفئات الضعيفة؟ أم كآلية موجهة لفئة معينة ؟
والحقيقة نستمدها من تطبيق نظم التقاعد، بحيث يأخذ في الواقع العملي شكل عدم شمول كل فئات المجتمع أو منحها على أساس فئوي تمييزي (أي على أساس الوضعية المهنية الخ...) مع تطلب شروط تعسفية ومجحفة أحيانا في منحها.
بالرجوع إلى التقارير الوطنية نقف أولا عند ضعف نسبة تغطية التقاعد، بحيث يستفيد فقط 42 في المائة من السكان النشيطين من نظام التقاعد (حسب الدراسة التي أنجزها المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2019 – 2020).
ولا يتجاوز حاليا عدد المستفيدين من معاش تقاعدي 33,6 في المائة من الرجال و 6,7 في المائة فقط من النساء (برسم نتائج الإحصاء العام للسكن والسكنى 2024) .
ويفسر هذا الوضع التبعية المالية القوية للأشخاص المسنين التي تظل على عاتق أسرهم.
من خلال أبحاثكم، هل يوجد فرق واضح بين قيمة المعاشات وحاجيات كبار السن الفعلية، مثل السكن، المعيشة اليومية، فواتير الماء والكهرباء، ودعم الأسرة؟ وهل يمكن الحديث عن خطر هشاشة مالية متزايدة لدى هذه الفئة؟
تتسم الوضعية الاقتصادية للأشخاص المسنين بهشاشة كبيرة ويرجع ذلك إلى محدودية مبلغ المعاشات الممنوحة في إطار بعض أنظمة التقاعد، خصوصا في القطاع الخاص كتلك التي يمنحها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (معاش لا يتجاوز 50 في المائة من الأجر الشهري متى توفر المؤمن له على 3240 يوما من التأمين يضاف إليه 1 في المائة عن كل زيادة تقدر ب 216 يوما دون أن يتجاوز هذا المعاش 70 في المائة من الأجر).
هذا، ومع استحضار الظروف الاجتماعية للمتقاعد، فراتب التقاعد على هزالته غير كاف بالنسبة له، على اعتبار أنه كلما تقدم الإنسان في السن زادت نفقاته خصوصا الصحية منها، علما أن غالبية الأمراض تظهر خلال هذه المرحلة العمرية وتتطلب مصاريف باهظة، وغير كاف بالنسبة لأسرته على اعتبار أنه معيل أسرة ومتحمل لنفقاتها، خصوصا في ظل الارتفاع المتزايد لتكاليف المعيشة.
إلى أي حد تعكس الفوارق بين أنظمة التقاعد المختلفة (القطاع العام، القطاع الخاص، المهنيون المستقلون، ومن لم يستوفوا شروط الاشتراك) نوعا من "اللاعدالة الاجتماعية" عند بلوغ سن التقاعد؟
تعرف منظومة التقاعد تشتتا بين أربعة أنظمة رئيسية (نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد، والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد بالنسبة للقطاع العام، ونظام تقاعد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ثم نظام الصندوق المهني المغربي للتقاعد بالنسبة للقطاع الخاص).
هذا التشتت يطرح، دون شك، فوارق بين هذه الأنظمة من حيث مقاييس العمل ونمط التسيير (أي نسبة الاشتراك، مدة الانخراط، وعاء الأجر المعتمد في احتساب المعاش)، مما ينتج عنه انعدام المساواة بين الحقوق الاجتماعية للمتقاعدين (حيث يتفاوت مبلغ رواتب التقاعد من 100 في المائة من متوسط الأجر بالنسبة للصندوق المغربي للتقاعد، إلى 50 في المائة بالنسبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي و90 في المائة بالنسبة للنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، ثم ناتج مجموع النقط التي راكمها المستفيد بالقيمة الأحادية بالنسبة للصندوق المهني المغربي للتقاعد).
في نظركم، ما هي الإصلاحات ذات الأولوية لضمان تقاعد أكثر إنصافا، الرفع من الحد الأدنى للمعاشات، هل إرساء حد أدنى اجتماعي موحد لكبار السن، توحيد أو تنسيق أكبر بين الأنظمة، أم مراجعة شاملة لطرق التمويل والحكامة؟
يتطلب إصلاح نظام التقاعد الاشتغال على عدة مستويات وهي:
أولا: النهوض بالحماية الاجتماعية للمتقاعد من خلال توسيع دائرة المستفيدين من نظام التقاعد ليشمل الفئات غير المستفيدة مع إحداث حد أدنى للدخل بالنسبة للمسنين غير المستفيدين من أي معاش للتقاعد، من جهة، وتقديم معاش يضمن العيش اللائق وينسجم مع ارتفاع الأسعار، والزيادة في الحد الأدنى للمعاش وجعله مطابقا للحد الأدنى للأجر بالنسبة لذوي المعاشات الهزيلة، من جهة أخرى.
ثانيا: تأهيل التدبير المالي لأنظمة التقاعد وإرساء قواعد الحكامة عبر تعزيز الموارد المالية للأنظمة وإحداث جهاز للتتبع واليقظة لرصد المخاطر التي قد تهدد توازناتها، وتبني مقاربة جديدة لتوظيف الاحتياطات بما يدعم مردوديتها والمزاوجة بين تقنيات التمويل (التوزيع والرسملة).
ثالثا: وضع الإصلاح في سياق المجال الماكرو اقتصادي من خلال النهوض بقطاع التشغيل وتعزيز تنافسية المقاولات.
رابعا: مواصلة تنزيل مقتضيات القانون الإطار للحماية الاجتماعية رقم 09.21 في شقه المرتبط بتوسيع تغطية التقاعد، واحترام جدولته الزمنية، وإيجاد تمويل مناسب لهذه المقتضيات.
خامسا: التنسيق بين الأنظمة لاستيعاب أنظمة التقاعد الأكثر هشاشة وتجاوز التفاوتات بينها وذلك من خلال خلق قطبين للتقاعد.
القطب العمومي: والذي سيعمل على تجميع منخرطي الصندوق المغربي للتقاعد والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد في إطار نظامين، أحدهما أساسي، وهو نظام إجباري يعتمد مبدأ التوزيع، والآخر تكميلي يعتمد مبدأ الرسملة في شكل حسابات فردية للإدخار.
القطب الخاص: يشمل نظامين، أحدهما أساسي (يضم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كنظام إجباري يعتمد مبدأ التوزيع، والآخر تكميلي (يعتمد إرساء تغطية تكميلية إجبارية).