حاز أردوغان ليس فقط على إعجاب الملايين في شتى بقاع الأرض، بل على ثقتهم وفخرهم أيضا.
فمن شاهد كلمة الكذوب بيرس في المؤتمر الاقتصادي العالمي بدافوس، وأثرها علي وجه كل من أردوغان وعمرو موسى، يثق فورا في فطنة وحنكة وقوة وشجاعة الأول وعدم اكتراث الثاني. ورغم احمرار وجه أردوغان غضبا وحنقاً، وجدتني لا أستطيع قراءة ما يدور بعقله، ولكني بمنتهى السهولة وجدتني أستشف ما يريد موسى قوله.
وجدته وكأنه يتوجه إلى بيرس، قائلا له: أكمل أكمل ... فإن جل ما تقوله كذب بواح، ولكن لا طاقة لنا بك، ولن نصطدم معك.. أكمل أكمل ... في حين أن أردوغان كان في منتهى الذكاء والحنكة فرغم حنقه الشديد من الكذب البواح، راح يدون ملاحظاته ويستحضر براهينه لدحضها.
وما إن انتهى بيرس، حتى طلب الكلمة وأصر على انتزاعها، وحاول مدير الجلسة حجبها عنه، ولكنه انتزعها بقوة الحكمة وراح يدحض الأكاذيب، ويصدح بالحق فخسئ الباطل ونكس بيرس رأسه، وهو مذهول لا يدري ماذا يصنع.
وتحت إصرار مدير الجلسة، منعه من مواصلة الحديث، أطلق أردوغان رصاصة الرحمة على الجلسة التي توشك على الانتهاء، فلملم أوراقة وانسحب منها وسط إعجاب الملايين ممن شاهد الجلسة على شاشات التلفزة، ولا أدل على ذلك من انتصاب موسي واقفا مصفقاً مصافحا دون التفاف أرودغان إليه.
تعمدت مراقبة موسى في هذه الأثناء، فوجدته سعيدا يتمنى أن يقول قول أردوغان، ولكنها قيود ولعنات السياسة التي جعلته محتار أيغادر بصحبته أرودغان أم يعود إلى الجلوس على مقعده، وسرعان ما أزال بان كي مون الحيرة عنه فأشار إلية بالجلوس فجلس وليته لم يفعل. ثم ما لبث أردوغان أن عقد مؤتمراً صحفياً موجزا، قال فيه ما مُنع من قوله بداخل المؤتمر، قال صراحة ودون مواربة، إن بيرس يكذب وجميعنا يعلم الحقائق.
وإذا بي، أتساءل: ما بال أردوغان شامخا وقافا، وجل حكامنا زاحف منبطح. فوجدت الإجابة تكمن في الإرادة المتولدة من استقلالية الرأي والقرار، فأردوغان وصل إلى رئاسة الوزراء نتيجة لإرادة الشعب عبر انتخابات حرة نزيهة نظيفة. وفي مثل هذه الانتخابات، فإن إرادة الشعب هي الفيصل، وأن تأثير الخارج محدود جداً.
ونتيجة لذلك، فإن الوزارة لديه هي وظيفة وليست ملكية، وإذا ما لفظه الشعب غدا وفشل في الانتخابات، فقد انتهت وظيفته في الوزارة ولم تنته حياته وسيعمل عملا أخر. في حين أن جل حكامنا قد فرضوا علينا بقوة الحديد والنار، ويمد لهم في حبل البقاء على الكرسي بقدر انسجامعهم مع الإرادة والرؤية الغربية. وبالتالي، فإرادتهم ليست حرة، وقراراتهم ليست مستقلة. وهنا يكمن الداء والدواء. فالداء هو الديكتاتورية والدواء هو الحرية والخضوع لإرادة الشعوب.
رأيتني أحلق في زمن يكون فيه على الأقل بعض حكامنا على شاكلة أردوغان، وجل دولنا بحجم تركيا اقتصاديا وسياسيا فوجدت صعوبة بالغة في رسم خريطة إسرائيل السياسية والجغرافية (إن وجدت!)، وعندها أدركت سبب دعمهم والغرب من حولهم لحكامنا.
مجلة العصر الالكترومية http://www.alasr.ws/