مدير دار الحديث الحسنية يناقش فتوى المغراوي حول زواج بنت التاسعة - منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية
تسجيل جديد
أبرز العناوين



أدوات الموضوع

الصورة الرمزية alaatchane
alaatchane
:: دفاتري بارز ::
تاريخ التسجيل: 6 - 10 - 2007
السكن: مراكش
المشاركات: 79
معدل تقييم المستوى: 235
alaatchane على طريق الإبداع
alaatchane غير متواجد حالياً
نشاط [ alaatchane ]
قوة السمعة:235
قديم 17-10-2008, 07:29 المشاركة 1   
افتراضي مدير دار الحديث الحسنية يناقش فتوى المغراوي حول زواج بنت التاسعة

مدير دار الحديث الحسنية يناقش فتوى المغراوي حول زواج بنت التاسعة
ليس المطلوب نقد الاسلام ومراجعته وإنما الواجب هو التمييز بين الاحكام القطعية وبين الاحكام الاجتهادية القابلة للمراجعة باستمرار
احمد الخمليشي
نشر بجريدة الاتحاد الاشتراكي في الصفحة الاولى يوم الجمعة 10 اكتوبر 2008 مقال بعنوان: «كيف نتخلص من قبضة المغراوي ومن شابهه»؟
وقد وردت فيه عبارات تثير الانتباه، فهمت منها الدعوة إلى مراجعة الفكر الديني ونصوص الدين ونقدها على ضوء مناهج العلوم الانسانية والاكتشافات الحديثة في مختلف المجالات بما فيها علوم الآثار.
وسبق أن نشر مقال آخر بعنوان «دفاعا عن المغراوي» انتقد فيه صاحبه الفتوى، وأضاف لكنه ما دامت الفتوى مؤسسة على آية قرآنية وعلى حديثين مرويين في صحيحي البخاري ومسلم، فإن الامر لا يتعلق بمناقشة فتوى المغراوي، وإنما الواجب هو مراجعة الاسلام ذاته.
هكذا اختلط الحابل بالنابل، فمن قائل إن فتوى المغراوي لم يقل بها أحد من علماء السلف، ومن قائل إن مضمونها مقرر بنصوص القرآن والسنة. لذلك فإن هذه النصوص هي التي يجب مراجعتها ونقدها ومواجهتها بمناهج العلوم الانسانية والاكتشافات الحديثة حتى يتبين ما تصدقه هذه العلوم وما ترده.
الرأي الأول غير صحيح ومخالف للواقع، والثاني ناتج عن الخلط بين النص وبين تفسيره.

الرأي القائل بأن أحدا من علماء السلف لم يقل بتزويج البنات في سن الطفولة:

كان ينبغي انتقاد سند هذا الرأي وليس إنكار وجوده. فالمذاهب السنية الاربعة والمذهب الظاهري، والمذاهب الشيعية من امامية واباضية وزيدية، جميعها تقول بجواز تزويج الصغيرات. نعم هنالك رأي مخالف ولكن أهملته المراجع المذهبية إلى حد ادعاء الاجماع على إباحة تزويج الطفلات.
ينقل الشوكاني في نبل الاوطار (ج6ص252) «قال المهلب اجمعوا انه يجوز للاب تزويج ابنته الصغيرة البكر ولو كانت لا يوطأ مثلها». وابن حجر العسقلاني في شرحه للحديث رقم (5081) من صحيح البخاري نقل أيضا «وقال ابن بطال: يجوز تزويج الصغيرة بالكبير اجماعا ولو كانت في المهد، لكن لا يمكن منها حتى تصلح للوطء» (فتح الباري ح 9 ص154) والبنت تكون في المهد في السنتين الاوليين من ميلادها.
وفي المغني لابن قدامة (ج 6 ص 490) «ان الصغيرة ذات التسع سنين أو أقل من التسع يزوجها أبوها بغير إذنها «وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر الفقهاء».
ومن أراد المزيد فليرجع مثلا إلى مدونة الامام مالك والام للامام الشافعي وإلى غيرهما من المراجع المعتمدة في المذاهب المختلفة.
فهل بعد هذا يقال إن أحدا من علماء السلف لم يجز تزويج الصغيرة؟ أنلجأ إلى هذا الادعاء لمجرد الاستسلام والخضوع للثقافة التي تستهجن مناقشة السابقين في الأدلة التي أسسوا عليها آراءهم؟ والتي لا تميز بين الأحكام المقررة بصريح نصوص الشريعة الثابتة وبين الاحكام الاجتهادية القابلة للمناقشة في كل وقت؟
لذلك نعتقد أن ما ينبغي أن يناقش فيه السيد المغراوي عندما تحمل مسؤولية الافتاء باسم الشريعة في زواج الصغيرات هو:
1 - إهمال الرأي الفقهي القائل بمنع تزويج الصغار ذكورا واناثا
2 - نقل الرأي القائل بإباحة تزويج الصغار دون مناقشة سنده وبيان أسباب اقتناع السيد المغراوي به.
3 - إهمال موقفه من أهلية الزواج المقررة في مدونة الأسرة.
أولا: الرأي المانع
لتزويج الصغار:

ممن روى عنهم هذا الرأي، قاضي الكوفة الشهير ابن شبرمة وعثمان البتي، وأبو بكر الأصم. وسندهم في ذلك: المبدأ الذي أجمع عليه الفقه وهو استقلال كل فرد بتسيير مصالحه الشخصية والمالية، ولكن بصفة استثنائية في حالة عدم تمتع الفرد بالتمييز والدراية الكافيين لحماية مصالحه من الاضرار بها - يسند ذلك التسيير الى من ينوب عنه، وهذه الصفة الاستثنائية تفرض قصر صلاحيات النائب على إدارة المصالح الآنية للمنوب عنه، والصغير - ذكرا أو أنثى - ليست له مصلحة ولا حاجة آنية في الزواج قبل البلوغ / الرشد، ولذلك يبقى الزواج خارج صلاحيات ولي الصغير أبا كان أو غيره.
وابن حزم يعتمد سندا آخر لمنع زواج الصغير وهو الآية: «ولا تكسب كل نفس إلا عليها» ولكنه يقصر المنع على الصغير دون الصغيرة.
ثانيا: سند الرأي المجيز لتزويج الأطفال:

حسب فتوى السيد المغراوي السند هو: الآية: «واللاء يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللاء لم يحضن».
الرواية التي تقول إن الرسول (ص) خطب عائشة (ض) وهي بنت ست أو سبع سنوات والتحقت ببيت الزوجية وعمرها تسع سنوات.
1 - تفسير الآية:

مما يستبعد التفسير الذي نقله السيد المغراوي:
أ- إن القصد الذي يبدو أقرب وأنسب من عبارة «واللاء لم يحضن» هو النساء اللاتي لديهن عيوب خلقية أو بيولوجية فلا ينتجن بويضات التلقيح وبذلك لا تأتيهن العادة الشهرية وإن تجاوزن العشرين أو الثلاثين سنة من عمرهن.
ب- على فرض أن الآية تشمل كذلك المطلقات قبل البلوغ اللائي كن موجودات بالفعل في المجتمع، فإن بيان عدتهن لا يعني تشريع إباحة تزويجهن، فعدد من الأحكام جاءت لتطبق على أوضاع قائمة، ولا يعني ذلك تشريع هذه الأوضاع وتعبد الأمة بها. مثلا بين القرآن عقوبة الأمة المرتكبة لجريمة الزنا، ولا يؤخذ من ذلك قطعا أن القرآن شرع العبودية وتملك الإماء وبيعهن في الأسواق ما دام لم ترد آية واحدة بهذا التشريع.
ج ـ الآية 6 من سورة النساء «وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم» تنص صراحة على ربط أهلية الزواج بالأهلية المدنية أو الرشد القانوني. فلفظ «النكاح» كما يعني الاتصال الجنسي يعني كذلك «الزواج» وقد ورد بهذا المعنى الثاني في القرآن أكثر من عشرين مرة. والقرآن نقل ذلك من الاستعمال اللغوي الذي تثبته عشرات النصوص النثرية والشعرية السابقة على ظهور الإسلام.
لكن الفقه الذي نشأ في مجتمع حاضن لظاهرة تزويج الصغار، باعتبارها عرفا مقبولا وتقليدا مرغوبا فيه ـ ولكي لا يصطدم مع هذا العرف ـ التجأ إلى التأويل وتفسير كلمة «النكاح» بلفظ «الحلم» رغم أنه لا علاقة بين اللفظين لا لغوية ولا اصطلاحية. حتى الاستعمال المجازي يحتاج ادعاؤه إلى سند يثبته، فضلا عن وجود جامع بين اللفظين المستعمل أحدهما مكان الآخر. كل ذلك لم يعن الفقه بمناقشته.
ويبدو مؤكدا أن السيد المغراوي - وهو ممن كتبوا في تفسير كتاب الله - أهمل هذه الآية بناء على التفسير المنقول عن السابقين. لذلك يحق لنا أن نسأله وهو باحث، ومفسر، وفقيه كيف اقتنع بتفسير «الزواج» بـ «الحلم» هل بناء على استعمال لغوي ورد به نص نثري أو شعري، أو استعمال اصطلاحي جاء في آية قرآنية أو حديث نبوي؟ وإذا فقد الاستعمال اللغوي والاصطلاحي لم يبق إلا التأويل الباطني أو العشوائي، فأيهما اعتمد في الفتوى؟
2 - رواية زواج
عائشة (ض):

بصرف النظر عن سند الرواية، نود إثارة ملاحظتين على متنها ومضمونها.
الأولى تتعلق بثبوتها، والثانية باعتمادها سندا لقبول تزويج الأطفال.
أ- الثبوت التاريخي:

قصة زواج الرسول بابنة أبي بكر الصديق ليست منفصلة عما يحكي عن زواجه بخديجة بنت خويلد، فالأولى تصور الرسول عليه السلام قبل البعثة وضيعا ومرغوبا عنه، وبعد البعثة نجد ضمن الحكايات عن الزواج بعائشة، ما لا يصدر إلا عن غير الأسوياء والمصابين بالشبق، وقد تعرض الطبري في تاريخه لحكايات اختلقت وقائع للزواج بأم المؤمنين خديجة لا تليق بأدنى رجل في قريش. فكيف تصدق إزاء المنتسب الى العشيرة الأمينة على مفاتيح الكعبة؟ كما قدمت التحاق أم المؤمنين عائشة بزوجها في المدينة في مشاهد يمجها الذوق الاجتماعي قديما وحديثا، فكيف تنزلق إليها أم عائشة بمشاركة أفراد أسرة أبي بكر جميعهم، إضافة الى الرسول المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق؟
نتجاوز هذا الى وقائع مادية كان ينبغي أن يتنبه إليها السيد المغراوي قبل أن يعتمد في فتواه على تصديق الحكاية التي تنسب إلى عائشة التحاقها ببيت الزوجية في التاسعة من عمرها.
هذه الوقائع التي نقلها إلينا الرواة والإخباريون تقول:
تزوج الرسول (ص) خديجة (ض) وعمره خمس وعشرون سنة أو واحد وعشرون سنة، وعمرها هي أربعون سنة أو خمس وأربعون سنة (أسد الغابة لابن الأثير 6/80 وسيرة ابن هشام 1/198).
ويتفق الرواة والمؤرخون على أن خديجة (ض) ولدت مع الرسول خمسة أطفال هم القاسم الذي توفي صغيراً وزينب ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وكلهن تزوجن وأزواجهن معروفون بأسمائهم، وهناك من يقول إنها ولدت ستة أطفال ومن يرفع العدد الى سبعة، والطبري في تاريخه (2/211) يقول إنها ولدت ثمانية وذكر أسماءهم وهم: القاسم، والطاهر، والطيب، وعبد الله، وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.
ويقول ابن الأثير في أسد الغابة (130/6) أن زينب «هي أكبر بناته ولدت ولرسول الله (ص) ثلاثون سنة»، ويضيف أنه روي كذلك أنها أكبر من القاسم.
لا نسترسل مع روايات أخرى تفاديا للإطالة، ويكفي أن نقف قليلا مع هاته التي أوردناها.
تزوجت خديجة وعمرها أربعون أو خمسة وأربعون عاما وولدت خمسة أطفال أو ستة أو سبعة أو ثمانية ليس فيهم توائم.
أول ولادة لها كانت ـ حسب ابن الأثير ـ كانت عندما بلغ الرسول الثلاثين من عمره، أي أن ولادتها بدأت بعد خمس أو تسع سنوات من الزواج، حسب ما إذا كان سن الرسول، إذاك خمسا وعشرين أو واحداً وعشرين.
أليس التلفيق ثابتا بيقين في هذه الروايات التي تزعم أن أم المؤمنين خديجة تزوجت بالرسول وهي في الأربعين أو الخامسة والأربعين من عمرها، والحال أنها أنجبت بعد هذا الزواج خمسة أو ثمانية أطفال؟
قد تنجب المرأة طفلا في الخامسة والأربعين أو ما يقاربها، ونقرأ بين الفينة والأخرى في الصحف عن حالات نادرة تحمل فيها المرأة بعد تجاوزها عتبة الخمسين.
لكن من المستحيل حدوثه واقعيا وعلميا أن يتتابع إنجاب المرأة بانتظام بعد الخامسة والأربعين إلى خمس أو ثماني ولادات.
وقد أشرنا الى أن الرواية التي نسجت حول سن زواج عائشة مرتبطة بما اختلق حول زواج خديجة، والهدف هو النيل من الرسول (ص)، فعندما كان يحيى حياته العادية في مكة، كان مرغوبا عنه ولم يجد من يقبل الزواج به إلا امرأة يفوق عمرها ضعف عمره، ولما تنبأ وتبعه الناس وتجاوز الخمسين من العمر، انتقم لنفسه وتزوج طفلة في السادسة ودخل بها في التاسعة، وفي بيت أبيها وعلى فراشه.
إذا ثبت التلفيق في سن خديجة عند زواجها بالرسول (ص)، فكيف تصدق الرواية المتعلقة بسن عائشة عند الزواج بها؟ والحال أن الهدف من نسجهما واحد؟
ومن الجدير بالملاحظة أن الشيعة الإمامية لم تثبت لديهم الرواية المنسوبة إلى عائشة (ض)، ومع ذلك، وتأثرا بالعرف كذلك، أباحوا تزويج الصغار بناء على رواية تقول أن الإمام الباقر والد الإمام جعفر الصادق سئل «عن الصبي يتزوج الصبية هل يتوارثان؟ فقال إذا كان أبواهما اللذين زوجاهما فنعم» (فقه الإمام جعفر الصادق ـ 232/5).
ب ـ اعتمادها لتشريع إباحة تزويج الأطفال:

مع الشك الذي يقرب من اليقين في السن الذي حدد لابنة أبي بكر الصديق عند زواجها، يثور التساؤل حول اعتمادها سندا شرعيا للسماح بتزويج الأطفال ولو افترضت صحة هذه السن؟
أثار الفقهاء منذ القديم تقسيم أقوال وأفعال الرسول الى ما يكون فيها مبلغا للوحي، وإلى ما يمارس به حياته كإنسان، أو يدبر به شؤون الأمة بصفته قائدها الموكول إليه تسييرها. وان القسم الأول هو الذي يشكل شريعة الإسلام الموحى بها إليه. لكن هذا التقسيم النظري لم تتابع مناقشته في التطبيق ومحاولة التمييز الفعلي بين أقوال الرسول وأفعاله الداخلة منها في دائرة تبليغ الوحي والخارجة من هذه الدائرة.
وقد ثبت تاريخيا أن تزويج الصغيرات كان سلوكا عاديا ومقبولا. فإذا افترضنا صحة زواج الرسول ببنت تسع سنين ، ألا يدخل ذلك في ممارسة شؤون حياته الشخصية ضمن التقاليد والأعراف المقبولة في الجماعة التي يحيا وسطها؟
مثلا من الأعراف التي كانت مقبولة، الاستعباد الناتج عن الانهزام في الغارات العشائرية والاختطافات للأطفال ومن لا قوة له للدفاع عن نفسه، ويروي التاريخ أن زيداً بن حارثة اختطفته عصابة وعمره ثماني سنوات من أمه التي كانت ذاهبة الى زيارة أهلها. بيع زيد في أسواق مكة اشترته السيدة خديجة ووهبته لزوجها الذي أعتقه في ما بعد. فهل يقبل اعتماد هذه الواقعة لنقول إنها شرعت إباحة استعباد الأطفال المختطفين وبيعهم. فالرسول أقر زوجته على شراء زيد بن حارثة ورتب على ذلك قبول هبته منها.
وإذا قيل إن واقعة زيد حدثت قبل بدء الوحي، فإن من الثابت بعد الوحي وبعد الهجرة، استمرار الاستعباد بمصادره وآثاره، ومن غير المقبول، أن يقال إن ذلك يشكل تشريعا أباح به الاسلام استعباد الإنسان وبيعه في الأسواق مثل الحيوان، فالفرق واضح جدا بين أحكام الشريعة التي أمر الرسول بتبليغها، وبين استمرار أوضاع أو تصرفات لم ينزل الوحي بالأمر بها أو بالنهي عنها.
وبعبارة أخرى شريعة السماء لم تنزل في شكل قوائم تحدد جميع الواجبات والممنوعات والمباحات... ويقتصر دور الإنسان على تتبع مفردات كل قائمة وتطبيقها لأن هذا لا يفي بمفهوم تحمل الأمانة، ويعطل وظيفة العقل المناط به التكليف والمسؤولية عن الخلافة في الأرض، فإذا تعرضت نصوص الوحي الى بعض الواجبات والممنوعات والمباحات، فإنها لم تتناول كذلك كثيرا من أنواع السلوك والأوضاع التي كانت موجودة في المجتمع العربي، تاركة مسؤولية التمييز بين الصالح منها وغير الصالح وملاءمتها مع تطور حياة الإنسان ـ للمخاطبين بها في ضوء المبادىء العامة والقيم العليا التي كررت الأمر بها عشرات الآيات في القرآن. وبذلك يتحقق معنى الآيتين: «أيحسب الإنسان أن يترك سدى؟»، «الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا».
ثالثا : إهمال أهلية الزواج في مدونة الأسرة

نظام «التشريع» أو «القانون» دخل الى العالم الاسلامي بالحديد والنار، وبحماية من جنود الاحتلال، حتى مضمونه نقل في البداية من تشريعات المستعمر وقوانينه ، هذا ما أحدث رد فعل ضد هذا النظام شكلا ومضمونا.
بعد رحيل الاستعمار استمرت مناهضة التشريع الذي تقوم به الدولة ومؤسساتها الدستورية بأسلوبين اثنين:
الاسلوب الاول: التصريح علنا بمخالفة «القانون الوضعي» للشريعة واتهام الدول والمجتمعات التي تطبقه بالكفر والمروق من الدين.
والاسلوب الثاني، الاكتفاء بالترويج لمقولة أن الفقه هو وحده المكون لأحكام الشريعة وإهمال وجود «القانون الوضعي»، ومقتضياته موافقة كانت أو مخالفة لأحكام الفقه. ويظهر هذا بوضوح في الفتاوى التي تنشر بكل وسائل الإعلام والتواصل.
اذا كان الفريق الأول يكشف عن رأيه بلسان المقال، فإن الفريق الثاني يعبر عن نفس الرأي بلسان الحال.
ولبيان ذلك نقول إن الثقافة الراسخة في وجدان المجتمع الاسلامي تعتبر المفتي ناطقا باسم الشريعة وليس باسمه.
يقول الشاطبي مثلا: المفتي قائم في الامة مقام النبي (ص)... فالمفتي مخبر عن الله كالنبي وموقع للشريعة على افعال المكلفين بحسب نظره كالنبي، ونافذ أمره في الامة بمنشور الخلافة كالنبي (الموافقات - 246/4).
وبن القيم اطلق على المفتين اسم ىالموقعين عن رب العالمين» في كتابه المعروف:« اعلام الموقعين عن رب العالمين».
والقرافي قال ان مثال المفتي مع الله تعالى مثل قاضي القضاة، والله المثال الاعلى يولي شخصا ترجمانا بينه وبين الاعاجم، فالترجمان يتعين عليه اتباع تلك الحروف والكلمات الصادرة عن الحاكم ويخبر بمقتضاها من غير زيادة ولا نقص، فهذا هو المفتي يجب عليه اتباع الادلة بعد استقرائها ويخبر الخلائق بما ظهر له منها من غير زيادة ولا نقص (كتابه: الاحكام في تمييز الفتاوى عن الاحكام ص 12).
مثل هذه الآراء التي رسختها قرون التقليد والاملاء والتلقي ثبتت اعتقادا عاما هو ان المفتي يخبر بحكم الشريعة ولا يقدم مجرد رأيه في الموضوع الذي سئل عنه.
ولذلك فإن المفتي عندما يقتصر على نقل حكم فقهي في فتواه ويهمل الحكم المخالف المقرر في مدونة الاسرة، او في اي من التشريعات المعمول بها - يؤكد بلسان المقال للمستفتي ولغيره من المتلقين أن ما افتى به هو الشريعة، وبلسان الحال بأن الحكم الوارد في المدونة «قانون وضعي» مخالف للشريعة، اذ بالبداهة لا تتعدد أحكامها أو تتناقض.
هذه هي النتيجة الحتمية المترتبة عن الافتاء بآراء فقهية مع إهمال مناقشة الاحكام المخالفة لها في المدونة، استحضرها السادة المفتون عند الافتاء أو لم يستحضروها.
إننا لا نقصد بهذا منع انتقاد بعض مقتضيات مدونة الأسرة ممن يرى وجود مبررات لهذا الانتقاد، وانما الذي ندعو إليه هو استيعاب التمييز بين وقائع مختلفة والوعي بنتائجها المتباينة، وهي مرتبطة بحالة عدم اقتناع المفتي بحكم مقرر في المدونة.
إن المدونة صدرت وفق النظام الدستوري الذي توافق عليه المغاربة وتسير به جميع شؤونهم. وهذا:
لا يمنع من انتقاد بعض احكامها ممن لديه مبررات لهذا الانتقاد الذي يجب ان يقدم بأسلوب الحوار والاقناع، ومبررا بالتعليل المنطقي والافكار التي بنى عليها المنتقد رأيه الشخصي، فضلا عن بيان الاسباب التي توهن في نظره سند الحكم الذي أخذت به المدونة.
ولكن ما لا يبدو مقبولا هو الاقتصار على اصدار الحكم وتذييله بآية أو حديث او نص من مراجع الفقه لإضفاء صفة «الحكم الشرعي» عليه مع إهمال الرأي او الآراء الأخرى في تفسير الآية او الحديث، ودون أية إشارة كذلك الى المقتضى المخالف في مدونة الاسرة.
إن هذا الاسلوب يؤدي قطعا الى تزكية التيار الذي يكفر المجتمع بسبب تطبيقه «للقانون الوضعي» وعزوفه عن «احكام الشريعة». فعندما يقول المفتي مثلا وباسم الشريعة إن الطلاق المعلق نافذ، بينما المدونة تقرر عدم نفاذه، فان النتيجة البدهية لذلك تكون اعتقاد المتلقين للفتوى عدم شرعية حكم المدونة مع ما يترتب عن ذلك من تداعيات.
وما نأمله هو ان تتضافر جهود المجلس العلمي الأعلى، والرابطة المحمدية للعلماء ومؤسسات التعليم والدراسات الاسلامية لطرح الموضوع للمناقشة والتحليل. اعني به اقرار القاعدة الملزمة في تدبير شؤون المجتمع ومرافقه.
هنالك وضع دستوري يعرفه الجميع، وتحدث اسلافنا عن ولي الامر، واهل الحل والعقد، وجاء في القرآن «وأمرهم شورى بينهم» كيف نجمع بين هذه المنفصلات للتوافق على نظام يلتزم به الجميع ويطمئن إليه في صياغة القواعد المنظمة للمجتمع ولعلاقات أفراده؟

2008/10/16
rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs 5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5rs5r s5rs5rs5rs5rs5









آخر مواضيعي

0 نداء فاتح ماي مراكش الاتحاد المحلي الفيدرالي
0 مسيرة تضامنية بمدينة مراكش
0 الهيئات السياسية والمهنية والحقوقية والمدنية بمراكش: مافيا الفساد ترمي إلى توريط القض
0 عبد الواحد الراضي:
0 البيان الختامي للمؤتمر الوطني الثامن لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
0 التعامل مع الأبناك حرام!
0 في حوار مكاشفة مع عضو هيئة الإنصاف والمصالحة والمناضل المغربي عباس بودرقة
0 نقد ذاتي ثلاثة أخطاء قاتلة
0 في ذكرى المهدي بن بركة
0 القافلة الإفريقية للتحسيس بظاهرة تشغيل الأطفال تنطلق من فاس


صانع الاجيال2
:: مراقب عام ::

الصورة الرمزية صانع الاجيال2

تاريخ التسجيل: 8 - 6 - 2007
المشاركات: 1,324

صانع الاجيال2 غير متواجد حالياً

نشاط [ صانع الاجيال2 ]
معدل تقييم المستوى: 365
افتراضي
قديم 17-10-2008, 07:47 المشاركة 2   

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مدير, المغراوي, التاسعة, الحديث, الحسنية, بنت, دار, حول, يناقش, زواج, فتوى

« أمسية تأبينية للشاعر العربي الكبير محمود درويش. | صحيفة بريطانية: «حزب الهمة يهدد ديمقراطية المغرب» »

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مذكرة مباراة دار الحديث الحسنية adilweb سؤال وجواب , دفتر الاستفسارات العامة 10 07-07-2009 16:42
الشيخ المغراوي يفتي بجواز زواج بنت 9 سنوات khalidimrani الأرشيف 9 24-10-2008 14:24
توضيح مهم ، حول فتوى الدكتور المغراوي .. شهاب دفاتر الأخبار الوطنية والعالمية 8 26-09-2008 04:46


الساعة الآن 19:46


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر تربوية © 2007 - 2015 تصميم النور اونلاين لخدمات الويب المتكاملة