إشكالية الحكامة والتدبير والفساد التربوي بالجامعة المغربية
إشكالية الحكامة والتدبير والفساد التربوي بالجامعة المغربية
العدد :2259 - 31/12/2013
مأساة التعليم العالي بالمغرب
كثيرا ما يتساءل الإنسان المغربي عن أسباب تخلف بلاده اقتصاديا واجتماعيا على مدى القرون الماضية، ولماذا لم تستطع أن تحقق مستوى التقدم الاقتصادي والاجتماعي نفسه الذي وصلت إليه بعض الدول، والتي كانت في المستوى نفسه من الجهل والفقر والتخلف مع بداية الستينيات مثل كوريا الجنوبية وتايوان وماليزيا.
سر هذه المفارقة يكمن فقط في نوع السياسات التعليمية والاستثمارية في التنمية البشرية، وحكامتها المعمول بها في هذه البلدان. حتى أصبحت اليوم تنافس الدول المتقدمة والصناعية. فالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هي نتيجة العقل البشري المتقدم، كما أنها في الوقت نفسه العامل الأساسي لتنميته.
وفي حالة المغرب فهو مازال يتجاهل أهمية التعليم والتربية، ولذلك ليس غريبا أنه مازال يحتل المرتبات الأخيرة في التنمية البشرية والصناعة والثقافة والعلوم والتقنيات الحديثة من بين دول العالم، وهو ما تعبر عنه جميع المؤشرات المتعلقة بالعنصر البشري: النسبة العالية لمستوى الأمية، غياب شبه تام لطبع الكتب والبحوث في العلوم العصرية،رداءة مستوى الإنتاج في الإعلام السمعي البصري، الخ ...
ومن بين أهم المؤشرات التي توضح تأخر الجامعة المغربية هو قلة الخبراء، وعجزها على تكوين كفاءات علمية تنافس خريجي الجامعات الأجنبية بجميع اختصاصاتهم، سواء في الاقتصاد، التدبير، الهندسة، الاجتماع، الطب، العلوم والتقنيات، الخ ...والدليل على هدا العجز المتفاقم هو أنه رغم مرور أكثر من 60 سنة على الاستقلال فالمغرب مازال يستورد من الخارج تقريبا جميع الخدمات في الاستشارة التقنية والاقتصادية والتدبيرية وبجميع القطاعات: بما فيها السياسة الاقتصادية والاجتماعية والعدل والإدارة والأمن والتعليم. وهكذا فتأطير الاقتصاد بأكمله يتحكم فيه الأجانب: تأهيل المقاولات والإدارات العمومية والسياسات العمومية، والبيئة والطاقة المتجددة، والماء والفلاحة والصناعة والبنوك والبنيات التحتية الأخرى، وحتى الاستشارة في مبادئ الاقتصاد والتدبير يتم اللجوء إلى الخارج: مثلا كطلب مساعدة في سياسة المنافسة وتأهيل المقاولات وتسيير المستشفيات، وجمع النفايات وتدبير قطاع النقل الحضري وإعداد مدونة السير، والدفاع عن حقوق الإنسان والمرأة، وتأهيل البرلمان...الخ . وحتى الاستشارة والدراسات في ميدان إصلاح التعليم ينجزها الخبراء الأجانب. والدليل القاطع على الدور الهام الذي يلعبه الخارج في السياسية الاقتصادية والاجتماعية والتقنية للمغرب هو الكم الهائل لدراسات البنك الدولي والاتحاد الأوربي في جميع المجالات، ودراسات المكاتب الأجنبية للاستشارة والتدقيق، والتي تكلف سنويا ملايير الدراهم لميزانية الدولة.
تدهور مستوى التعليم خلال العقود الماضية
مند سنوات والتعليم بجميع مستوياته بالمغرب يعيش مأساة حقيقية ويزيد تدهورا، وهو ما تؤكده جميع الدراسات الدولية التي تصنفه في المراتب الأخيرة بين بلدان العالم.
وقد سبق للبنك الدولي الذي لا يستعمل عادة الإحصائيات الرسمية أن أصدر تقريرين بشأن خطورة الوضع التربوي والتكوين بالمغرب سنة 1995 و2008، ولهذا يجب القول بأنه عندما يظل مستوى التعليم ضعيفا تصبح البلد بلا قادة وأطر أكفاء - كما وكيفا- الذين يستطيعون أن يرسموا لها استراتيجية تنموية فعالة.
ويجب التذكير بأن مشاكل التعليم ليست وليدة اليوم، وإنما نتيجة تراكمات سلبية لإدارة القطاع منذ عقود،
ورغم كل الإصلاحات والأهداف المعلن عنها في ميثاق التربية والتكوين سنة 1999 وفي الإصلاح الاستعجالي سنة
2009 يمكن القول بأن لا شئ تغير، بل إن مستوى التعليم العالي والمدرسي زاد انحطاطا، والذي لم تنفع معه المبالغ المالية الضخمة التي تم ضخها سنة 2009 في ميزانيات الجامعات، ولكن، فالمال لا يكفي وحده لتحسين وتطوير مستوى التعليم والتكوين.
منذ سنوات والحديث يتكاثر عن فشل السياسات التعليمية وجميع الخطابات كانت رسمية أو غير رسمية، ومنها الخطاب الأخير لجلالة الملك بتاريخ 20 غشت 2013 الذي أكد مرة أخرى إشكالية التعليم المدرسي والجامعي، فإن المسؤولين على القطاع، كما يبدو، لا يعيرون أي اهتمام لذلك. ولا أحد استطاع أو تجرأ عن تشخيصها.بشكل دقيق، وحتى تقارير المجلس الأعلى للتعليم لسنة 2008 اقتصرت على تعداد وتحليل عدد من المؤشرات الكمية، التي يعاني منها قطاع التعليم المدرسي والعال، كضعف نسب النجاح والرسوب وضعف التأطير التربوي والإداري، وصعوبة ظروف العمل الخ...ولكن لم يشر إلى الأسباب الحقيقية لمأساة التعليم بجميع مستوياته كضعف الجودة ومسؤولية الوزارة الوصية وإدارة الجامعة والمدرسة، ومسؤولية الأستاذ في تدهور مستوى التعليم. وبعبارة أخرى إلى سوء التدبير وإلى الفساد المالي والإداري والتربوي الذي تفشى بجميع دواليب قطاع التعليم.
محمد كركاب
باحث تربوي